الأعمدة

“علم الأزهري: هل يُنذر أقتراح البرهان بميلاد “سودان الشمال” رسمياً؟”

كتب: معاوية أبوالريش
في خضم حرب طاحنة تعصف بالسودان منذ أبريل 2023، وبعد أن أعلنت قوات الدعم السريع والكيانات المتحالفة معها رسمياً عن تشكيل “حكومة تأسيس” بوزرائها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها في غرب البلاد، يطرح الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني، اقتراحاً يبدو في ظاهره رمزياً لكنه في جوهره محمّل بدلالات سياسية استراتيجية: العودة إلى علم السودان الذي رفعه الزعيم إسماعيل الأزهري عقب الاستقلال عام 1956، واصفاً إياه بـ”علم الأجداد والآباء” هذه الدعوة، التي جاءت في توقيت شديد الحساسية، تضع السودان أمام سؤال مصيري: هل نشهد الإعداد لإعلان رسمي عن “سودانين” بعد أن أصبح الانقسام واقعاً فعلياً على الأرض؟
إن التوقيت الذي اختاره البرهان لإطلاق هذه الدعوة ليس عابراً، بل يأتي كرد فعل مباشر على تطور خطير ونوعي في مسار الصراع: إعلان قوات الدعم السريع والكيانات المتحالفة معها عن تشكيل حكومة فعلية بوزراء محددين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، والتي تشمل معظم ولايات دارفور الخمس وأجزاء واسعة من كردفان الجنوبية والغربية، بعد السقوط الاستراتيجي لمدينة بابنوسة والفرقة 22 فيها. هذا الإعلان لم يكن مجرد مناورة دعائية، بل خطوة سياسية تُعلن عن نية واضحة لبناء كيان إداري مستقل أو شبه مستقل في غرب السودان، مما يعني أن الحرب لم تعد صراعاً عسكرياً فحسب، بل تحولت إلى مشروع انفصالي بأدوات الحكم الفعلية.
في مواجهة هذا الواقع الجديد، تسيطر الحكومة الانتقالية والجيش السوداني على شرق ووسط وشمال البلاد، وهي المناطق التي تشكل القلب التاريخي للدولة السودانية الحديثة، وتضم العاصمة الخرطوم رغم الدمار الذي لحق بها، والموانئ الاستراتيجية على البحر الأحمر، والمناطق الزراعية الخصبة في الجزيرة وشمال السودان. هذا التقسيم الجغرافي الفعلي يخلق معادلة جديدة تماماً: دولتان بحكومتين، كل منهما تسيطر على مناطق محددة جغرافياً، وكل منهما تسعى لفرض شرعيتها وهويتها الخاصة. في هذا السياق المتأزم، يمكن قراءة دعوة البرهان للعودة إلى علم الأزهري باعتبارها ليست مجرد حنين للماضي، بل خطوة تمهيدية لإعادة تعريف “السودان” الذي يحكمه: سودان الشمال والشرق والوسط، سودان “النيل”، المتمايز جغرافياً وسياسياً عن “سودان الغرب” الذي تسيطر عليه الدعم السريع.
علم الأزهري يحمل دلالات رمزية عميقة في هذا السياق. فهو العلم الذي رُفع في لحظة الاستقلال الأولى، لحظة التحرر من الاستعمار البريطاني-المصري، وهو يمثل مرحلة كان فيها السودان أكبر جغرافياً (قبل انفصال الجنوب) وأكثر تماسكاً رمزياً. العودة إليه الآن، بعد كل هذه العقود وبعد انفصال الجنوب، تحمل رسالة مزدوجة: من جهة، هي محاولة لاستدعاء شرعية تاريخية ولحظة وطنية جامعة تسبق كل الانقسامات اللاحقة، ومن جهة أخرى، قد تكون إعلاناً ضمنياً بأن السودان “الحقيقي” هو ذلك الذي يسيطر عليه الجيش والحكومة الانتقالية في الشمال والشرق والوسط، بينما الغرب بات كياناً منفصلاً أو في طريقه للانفصال، تماماً كما انفصل الجنوب من قبل.
إن إعلان قوات الدعم السريع عن حكومة بوزراء فعليين في مناطق سيطرتها يمثل نقطة تحول فاصلة في مسار الحرب، لأنه يتجاوز مرحلة الصراع العسكري البحت إلى مرحلة بناء الدولة الموازية. فعندما تُشكّل حكومة بوزارات وهياكل إدارية، حتى لو كانت بدائية أو غير فعالة تماماً، فإن ذلك يعني وجود مشروع سياسي متكامل لا يقتصر على كسب المعارك الميدانية، بل يمتد إلى فرض سلطة مدنية-إدارية، وتقديم خدمات (ولو محدودة)، وجمع ضرائب أو رسوم، وإدارة الموارد المحلية. هذا السيناريو، الذي تكرر في صراعات أخرى حول العالم من الصومال إلى ليبيا واليمن، يؤدي عادة إلى تجذر الانقسام وتحوله من مجرد صراع عسكري مؤقت إلى واقع سياسي-إداري يصعب عكسه حتى لو انتهت الحرب.
البرهان، الذي يواجه هذا الواقع المرير، يدرك تماماً أن استعادة السيطرة العسكرية الكاملة على الغرب باتت شبه مستحيلة في المدى المنظور، خاصة بعد سقوط الفرقة 22 في بابنوسة، التي كانت تمثل آخر معاقل الجيش الاستراتيجية في طريق ربط الغرب بالوسط. هذا السقوط لم يكن مجرد خسارة عسكرية، بل كان إعلاناً فعلياً عن انقطاع الجغرافيا: الغرب بات معزولاً تماماً عن بقية البلاد، والسيطرة عليه من قبل قوة واحدة متماسكة نسبياً على الأرض تعني أن أي محاولة لاستعادته ستكون مكلفة للغاية من الناحية العسكرية والبشرية، وربما مستحيلة دون تدخل إقليمي أو دولي حاسم. في هذه الحالة، قد يكون الخيار الأقل كلفة للبرهان هو القبول الضمني بالأمر الواقع، وإعادة بناء مشروعه السياسي على أساس “السودان الممكن” بدلاً من “السودان الشامل”
لكن هذا القبول، وإن كان براغماتياً من الناحية العملية، يحمل تداعيات كارثية على عدة مستويات. أولاً، على المستوى الإنساني، فإن ملايين السودانيين في دارفور وغرب كردفان سيجدون أنفسهم تحت سلطة قوات الدعم السريع، التي وثّقت المنظمات الحقوقية الدولية ارتكابها لانتهاكات واسعة النطاق تشمل القتل الجماعي والاغتصاب المنظم والتطهير العرقي، خاصة ضد القبائل غير العربية في دارفور. ثانياً، على المستوى السياسي، فإن السماح بقيام كيان منفصل في الغرب يعني إعادة إنتاج نموذج الدولة الفاشلة والمليشيات المسلحة، الذي سيصبح مصدر تهديد دائم للاستقرار الإقليمي، وملاذاً محتملاً للجماعات المتطرفة والشبكات الإجرامية. ثالثاً، على المستوى الاقتصادي، فإن فقدان الغرب يعني فقدان مناطق شاسعة غنية بالموارد الطبيعية، من الذهب إلى الثروة الحيوانية، وهو ما سيضعف الاقتصاد السوداني الذي يعاني أصلاً من انهيار شبه كامل.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة خطوة البرهان في سياق الصراع على الشرعية الدولية والإقليمية. فبينما تسعى حكومة تأسيس للحصول على اعتراف أو على الأقل قبول ضمني من بعض الدول الإقليمية والأطراف الدولية، يحاول البرهان تعزيز موقعه كممثل للدولة السودانية الشرعية والوريث القانوني للسيادة الوطنية. العودة إلى علم الأزهري، في هذا الإطار، ليست مجرد تغيير رمزي، بل هي رسالة للمجتمع الدولي مفادها أن الحكومة الانتقالية هي الامتداد التاريخي للدولة السودانية منذ الاستقلال، وأن أي كيان آخر يدّعي السيادة على أجزاء من البلاد هو كيان انفصالي غير شرعي. هذا الخطاب، وإن كان له ما يبرره من الناحية القانونية الدولية، يصطدم بالواقع الفعلي على الأرض، حيث لم تعد الشرعية القانونية وحدها كافية لتحديد من يحكم في السودان.
إن المقارنة مع تجربة انفصال جنوب السودان عام 2011 تفرض نفسها بقوة في هذا السياق، لكن مع فوارق جوهرية تجعل السيناريو الحالي أكثر تعقيداً وربما أشد خطورة. فانفصال الجنوب جاء نتيجة عملية سياسية طويلة بدأت باتفاقية السلام الشامل عام 2005، ومرّت بمرحلة انتقالية استمرت ست سنوات، وانتهت باستفتاء شعبي أشرف عليه المجتمع الدولي. كان هناك إجماع دولي وإقليمي على أن الانفصال يمثل حلاً للصراع التاريخي بين الشمال والجنوب، وكانت هناك حدود واضحة نسبياً بين الطرفين، وهوية ثقافية ودينية مختلفة إلى حد كبير. أما في حالة الغرب الحالية، فإن الانفصال المحتمل لا يأتي نتيجة مسار سياسي متفق عليه، بل كنتيجة لحرب دموية لا طرف فيها يحظى بشرعية شعبية واسعة، ولا حدود واضحة بين “الدولتين” المحتملتين، ولا اختلاف ثقافي أو ديني جوهري يبرر الانفصال. بل إن سكان دارفور وكردفان هم جزء لا يتجزأ من النسيج السوداني، وكثير منهم ينتمون لقبائل ممتدة عبر مختلف أنحاء البلاد، مما يعني أن أي انفصال سيكون مصطنعاً وقسرياً وسيخلق مشاكل أكثر بكثير مما قد يحلّ.
علاوة على ذلك، فإن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالسودان اليوم مختلفة جذرياً عما كانت عليه في 2011. فالمنطقة تشهد اضطراباً أمنياً غير مسبوق، من الساحل الأفريقي إلى القرن الأفريقي، ومن ليبيا إلى إثيوبيا، والمجتمع الدولي منشغل بصراعات أخرى أكثر مركزية في نظره، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط. هذا يعني أن أي انفصال محتمل للغرب السوداني لن يحظى بالاهتمام الدولي الكافي أو بالإشراف المنظم الذي شهده انفصال الجنوب، وسيترك المنطقة تغرق في فوضى ممتدة قد تمتد تداعياتها إلى دول الجوار، خاصة تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا، التي تعاني جميعها من هشاشة أمنية وسياسية. إن احتمال تحول غرب السودان إلى “دولة فاشلة” جديدة في قلب أفريقيا، تحكمها مليشيات مسلحة وتديرها شبكات إجرامية وتنشط فيها جماعات متطرفة، هو احتمال حقيقي وخطير للغاية.
من الناحية الاستراتيجية، يطرح اقتراح البرهان أسئلة حول مستقبل العلاقة بين الكيانين المحتملين. فإذا أصبح الانفصال واقعاً، سواء بحكم القانون أو بحكم الأمر الواقع، فما هي طبيعة العلاقة التي ستربط بين “سودان الشمال” و”سودان الغرب”؟ هل ستكون علاقة حرب مفتوحة، أم توتر دائم على الحدود، أم ستتطور نحو نوع من التعايش القسري أو حتى التعاون المحدود؟ التجربة مع جنوب السودان تقدم مثالاً مختلطاً: فرغم الانفصال، ظلت هناك نزاعات حدودية مستمرة، وصراعات على الموارد (خاصة النفط)، بل وتجددت المواجهات العسكرية في بعض المراحل. إذا تكرر هذا السيناريو مع الغرب، فإن السودان سيجد نفسه في حالة حرب دائمة أو شبه دائمة على جبهات متعددة، وهو وضع لا يمكن أن يستمر طويلاً دون انهيار كامل للدولة والمجتمع.
لكن ربما الأخطر من كل ذلك هو التأثير النفسي والاجتماعي لهذا الانقسام على الشعب السوداني. فالسودانيون، الذين عاشوا عقوداً من الحروب والانقلابات والأزمات، بدأوا في فقدان الثقة بإمكانية بناء دولة موحدة مستقرة. انفصال الجنوب كان صدمة عميقة للوعي الجمعي السوداني، وإذا تكرر الانفصال مرة أخرى في الغرب، فإن ذلك قد يعني نهاية فكرة “السودان” كمشروع وطني جامع. قد نشهد تفككاً أعمق، حيث تبدأ مناطق أخرى في التفكير بالانفصال أو على الأقل بالحكم الذاتي الواسع، من الشرق (الذي يشهد حراكاً سياسياً مطالباً بحقوقه منذ سنوات) إلى النيل الأزرق وجنوب كردفان (المنطقتان الحدوديتان مع جنوب السودان واللتان شهدتا صراعات طويلة). في هذه الحالة، لن نكون أمام “سودانين” فحسب، بل أمام احتمال تفتت كامل للدولة إلى كانتونات أو إمارات حرب متصارعة، على غرار ما حدث في الصومال أو ليبيا.
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل دعوة البرهان للعودة إلى علم الأزهري هي محاولة أخيرة للحفاظ على فكرة السودان الموحد، أم هي الخطوة الأولى نحو الإعلان الرسمي عن قبول الانقسام؟ الإجابة على هذا السؤال ليست واضحة، وربما ليست واضحة حتى في ذهن البرهان نفسه. فالقائد العسكري الذي وجد نفسه في قلب صراع وجودي لم يختره بالضرورة، يحاول الآن أن يوازن بين خيارات كلها صعبة: الاستمرار في حرب استنزاف قد تستمر سنوات دون نتيجة حاسمة، أو القبول بالأمر الواقع والتفاوض على نوع من الترتيبات السياسية التي تعترف بالانقسام الجغرافي، أو المراهنة على تدخل إقليمي أو دولي يغير موازين القوى على الأرض. في كل هذه السيناريوهات، يبدو أن فكرة “السودان” التي عرفناها منذ الاستقلال قد انتهت، وأن ما سيأتي بعدها سيكون مختلفاً جذرياً، سواء كان ذلك سوداناً أصغر لكن أكثر تماسكاً، أو سودانين منفصلين، أو فوضى ممتدة من الدول الفاشلة.
في النهاية، إن دعوة البرهان للعودة إلى علم الأزهري ليست مجرد قرار رمزي عن الألوان والتصاميم، بل هي مؤشر عميق على أزمة هوية ووجود تعيشها الدولة السودانية. الأعلام، في تاريخ الأمم، لم تكن مجرد قطع قماش ملونة، بل كانت دائماً تعبيراً عن مشاريع سياسية وأحلام جماعية ولحظات تاريخية فاصلة. عندما غيّر السودان علمه في السابق، كان ذلك إعلاناً عن تحولات سياسية وأيديولوجية. والآن، عندما يدعو البرهان للعودة إلى علم الأزهري، فهو يعلن، بوعي أو بدون وعي، عن نهاية مرحلة وبداية أخرى. المأساة هي أن هذه البداية الجديدة قد تكون بداية النهاية للسودان كما عرفه أبناؤه منذ قرن من الزمان، وأن الأجيال القادمة قد تنظر إلى هذه اللحظة باعتبارها اللحظة التي قُسّم فيها السودان مرة أخرى، ليس بموجب اتفاقية سلام أو استفتاء شعبي، بل بموجب حرب دموية وانهيار مؤسسات الدولة وفقدان الأمل في إمكانية العيش المشترك.

زر الذهاب إلى الأعلى