عثمان فضل الله
لم تكن تاريخًا يُعلّق على الجدران، ولا ذكرى تُستدعى عند اللزوم ثم تُنسى. كانت مشهدًا مكتمل الأركان: شارعٌ يغلي، صدورٌ عارية في مواجهة الرصاص، وأصواتٌ خرجت من أعماق القهر لتعلن أن هذا الشعب وُلد من جديد.
كانت ديسمبر لحظة كشف كبرى. سقطت فيها الأقنعة دفعةً واحدة، وتعرّت دولة الكذب الطويلة. انكسر تمثال الخوف الذي ظل الإسلام السياسي ينفخ فيه روح الرهبة ثلاثين عامًا، باسم الله تارة، وباسم الشريعة تارة أخرى، بينما كانت البلاد تُنهب، والإنسان يُهان، والكرامة تُسحق تحت أحذية الوعّاظ المزيفين.
في ديسمبر، لم يكن الشارع مجرد شارع، كان وطنًا مؤقتًا، ومدرسة أخلاق، ومنبر حقيقة. هناك تعلّمنا أن الدين أسمى من أن يُختزل في حزب، وأن الله أكبر من أن يكون شعارًا لسلطة، وأن الإيمان لا يحتاج إلى جهاز أمن يحرسه ولا إلى فتاوى تُفصّل على مقاس الطغاة.
خرجت ديسمبر من رحم البسطاء: من الأمهات اللاتي خبزن الصبر، من الطلاب الذين كتبوا الحرية على الجدران، من العمال الذين أعادوا تعريف الوطنية بأنها انحياز للفقراء لا للقصور. لم تأتِ ديسمبر على ظهر دبابة، ولم تُولد في غرفة مغلقة، بل خرجت من الضوء، ولهذا كانت موجعة لأعدائها.
أما الإسلام السياسي، فقد وقف عاريًا أمام المرآة. سقطت أسطورته الكبرى: أنه حارس القيم. فإذا به أكبر تاجر للدين، وأمهر مزوّر للأخلاق، وأكثر الأنظمة استعدادًا لاستخدام الله ستارًا للقتل والفساد والاستبداد. في ديسمبر، فهم الناس أن المشكلة لم تكن في الشعار، بل في من رفعه ليخفي به جرائمه.
ديسمبر لم تكن ضد الدين، بل حرّرته. أعادته إلى مكانه الطبيعي: ضميرًا حيًا لا عصا غليظة، قيمة إنسانية لا أداة قمع، علاقة بين الإنسان وربه لا بين المواطن وجلاده.
ولهذا، فديسمبر لم تنتهِ. لأن ما يُبنى على الوعي لا يُهزم بالسلاح، وما يُكتب بالدم لا تمحوه البيانات، وما تحمله الأجيال في ذاكرتها لا تسقطه الخيانات. هي راية تتناقلها الأيدي: جيل يسلم جيل، لا كوصية حزن، بل كعهد حياة.
قد تتعثر الطريق، وقد يطول الليل، وقد تعود أشباح الماضي بأسماء جديدة، لكن ديسمبر باقية، لأنها فكرة… والفكرة لا تُعتقل، ولا تُغتال، ولا تُهزم.
هكذا كانت.
وهكذا ستظل.
ديسمبر… وعد السودان الذي لا يموت.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة
#ديسمبر_العظيم
#savesudan
#stopthewar



