الأعمدة

الأغاليط والإستفزازات المصرية…

علي الكبير
أر حدثا أسال كل هذا القدر من الحبر والكلام طوال الفترة منذ الإنقلاب المشئوم مثلما فعلت التصريحات المصرية بالأمس. كم كان إستيائى كبيرا ولكن لكم أثلج صدرى ردود فعل الأحرار من السودانيين الذين إستفزهم المس بمشاعرهم وكرامتهم الوطنية. إسنفرت مصر كل إعلاميوها وبرلمانيوها وذبابها الإلكترونى ومنصاتها عبر الوسائط كافة لأجل تصدير خطاب واحد مفاده،، أننا إن لم نتدخل حالا في السودان فإننا لا محالة سنجد الغزاة في القاهرة في اليوم التالى؟
ما إكتفت مصر بإشعالها لحرب السودان حتى رأيناها اليوم تضع أمامنا المزيد من المتاريس والخطوط الحمراء. الكثر إنتبهوا وأصبحوا يتساءلون الآن بجدية عن ماهية تلك الخطوط الحمراء من حيث علاقتها بالأزمة وإنعكاساتها على السيادة الوطنية؟ معظم دول العالم تتجاور في حدود مشتركة تشكل إمتدادا أمنيا لها ولكن متى كانت تلك الحقيقة ذريعة لتدخل الدول في شئون بعضها البعض؟ تشارك مصر إسرائيل في حدود ربما هي من الأكثر حساسية بين دولتين فهل يسوغ لها ذلك التدخل في الشأن الإسرائيلي بحجة حماية أمنها؟ هل ستفعل؟ ما يحصل لنا اليوم وظل يحصل منذ أمد هو نتيجة ضعفنا الذى كلما إشتد كلما تطاولت مصر أكثر، فهى تجس نبضنا أيضا. نعم، فهى تسعى لتعميق قواعد إدارة شئوننا من القاهرة أو ربما إبتلعتنا بالمرة في حال واتتها الظروف. ولا غرو فإن هذا حاصل الآن إلى حد ما بدليل زيارات البرهان الراتبة إلى الباب العالى،، حيث تصك وتصدر الفرمانات في خصوص الشأن السودانى. حتى أنى تساءلت لم لا ينقل البرهان مكتبه إلى القاهرة تجنبا لعناء تلقى الأوامر ووعثاء السفر؟
رسائل مصر اليوم هي في بريد أكثر من طرف: البيت الأبيض والرباعية والشعب السودانى ودول الإقليم ولكن بقى أن نعرف ما وقف السعودية والإمارات تحديدا سيما في ضوء الجهود المبذولة لأجل السلام؟ وهل من شأن هذا أن يسهل الأمور أم يزيدها تأزيما؟ بدا لى أن الرباعية وإستحقاقاتها قد وصلت إلى مستوى من التضاغط والفوران بحيث كشفت ما ظل مكتوما حتى الآن.
مصر تتظاهر بأنها تتصرف بمسئولية تجاه الأزمة السودانية ولكن الشواهد لا تتسق مع ذلك. مصر تستضيف الكيزان وتنسق معهم وتدعم جيشهم ومع ذلك تدعى أنها تخاف على أمنها وأمن السودان. وهى عندما ترسل التهديدات المبطنة فإنما تؤكد على أنها العقبة الكأداء أمام تطلعات السودانيين نحو الإنعتاق من ربقة التبعية والإستبداد الشمولى والعسكرياتى الذى إلتف حول أعناقنا منذ الإستقلال. فضلا عن تأكيدها لحقيقة أن مصالحها ظلت دوما تتناقض مع مصالح الشعب السودانى. المقاربة المصرية تنبنى على أن نظل حديقتها الخلفية وإلى الأبد وما همها من يحكم السودان بعد ذلك. أخطر ما أستشعره في التهديدات المصرية في حال مررناها وخضعنا لها أننا بذلك نكون قد أضفنا بأنفسنا إلى خطوطها الحمراء خطا آخر بلا لون ولكنه يملك تأثير الفراشة. سوف لن يمكننا تخطى تلك الخطوط مستقبلا، سيما إذا ما رسخت نفسيا ووجدانيا وفى اللاوعى بما يملى علينا الرضا بمقتضيات الأمر الواقع. فضلا عن الشعور بأننا فعلا لسنا دولة مستقلة ذات سيادة وإنما مجرد مجتمع فوضوى وسائب نستحق الحماية والعيش داخل جلباب الباب العالى المصرى. سوف ننسى حلايب وشلاتين وأبو رمادة وفى حال خضعنا أكثر فإن ذلك مما يغريها بضم المزيد من التراب الوطنى. وفى الواقع فأنا هنا حقا أتساءل: لم لا تمض مصر في مشروعها مادام هناك سودانيون يتوسلونها للتعجل في الإقدام على ذلك؟ وطوابير أخرى تستصرخ السعودية وكل من يتبرع بالتدخل كذلك؟
أعتقد أنه برغم جهود ترمب والمساعى الأممية فإن أخطر مما لا ينتبه له بتقديرى هو أنه في حال فشلت تلك الجهود فإن الحريق السودانى مؤهل لأن يجتاح كامل الجوار الإقليمى وربما تعداه إلى ما دونه. مصر الآن هي تلك الأداة التي يمكن أن تكون سببا في ذلك إذا لم تراجع نفسها. شخصيا لا أعتقد بأن مصر في وارد أن تتورط في الوحل السودانى ولأسباب عديدة من بينها: إلتزامها بمتطلبات وترتيبات السلام الذى قطعت شوطا كبيرا. والحرص على السلام الإقليمى. فضلا عن معرفتها أوعدم معرفتها بالفرق بين خطوطها الحمراء في سرت ليبيا وبينها في السودان. خط السيسى الأحمر في ليبيا كان لمواجهة وتركيا والكيزان بينما خطه الأحمر المزعوم اليوم في السودان يخطه إلى جانب تركيا والكيزان وسبحانه مغير الأحوال وكل يوم هو في شأن؟!
قصارى القول:
النظام المصرى يكذب ويغالط ويخضنا خضا لأجل أن “ينشلنا”. تناقضات النظام المصرى هي أول ما تفضحه. فحجة الإنفصال هي عليها وليست لها وبما أنها هي التي تدعم مشروع مثلث حمدى الإنفصالى وأن الذين يعملون من أجل الإنفصال حقيقة هم الذين يمثلون الكتلة التي تدعمها. وبما أننا لم نرى نفس الموقف من إنفصال جنوب السودان الحبيب سابقا. وبما أنها تحتل حلايب وشلاتين فضلا عن موقفها من الاتفاق الإطارى الذى كان يمثل المخرج الأمثل للأزمة والوصول بنا إلى حكومة مدنية ديموقراطية حقيقية.
ما يشاع بوجود إتفاقية تسمى بالدفاع المشترك مجرد سبلة، بالكاد هناك إتفاقية تعاون مشترك معطلة ولا تستوفى المعايير الدستورية، ومع ذلك فنحن لا نعترف بها قولا واحدا. الكيانات الموازية والقوى المدنية ورؤية السودانيين لشكل وطبيعة الحكم هي قضايا سودانية بحتة فلماذا تحشر نفسها بكل هذه العنجهية المستكبرة؟ سيادتنا وكرامتنا ليست أبدا موضوعا للمساومة أو التلاعب بها. أحرار في بلادنا ونحن الذين نختار من يحكمنا وكيف يحكمننا وهذا شأن سودانى حصرا شأننا شأن كل الدول الحرة فوق الأرض وتحت الشمس وألا تبت يدا السيسى وتب.

زر الذهاب إلى الأعلى