الأعمدة

مصر وازدواجية المواقف المصلحية تجاه حربنا اللعينة !

في بيانها الاخير عقب زيارة الفريق البرهان إلى القاهرة فجرت الحكومة المصرية بما يشبه القنبلة الداوية بتحذيرات صريحة حيال مخاوفها من تطورات الحرب في السودان بعد مراوحات في المد والجزر الذي حجب رؤية موقفها الصريح من هذا الصراع قبل هذا البيان وطيلة فترة اشتعال هذا الاتون إلى أن احست بأنه بدأ حقيقة يمسك في أطرافها فباتت تخشى أن يمتد إلى عمقها الاستراتيجي .
غير أن المحير في الأمر ورغم بداهة تحيزها لبقاء الجيش ممسكا بزمام الأمور في السودان كمفهوم تاريخي ليس بالجديد من الوجهة المصرية على امتداد حقب الحكم فيها .
ولكنها هي ذاتها مصر السيسي التي حسمت تصاعد موجة جماعة التيار الاسلامي في ثناياها بكل العنف حتى أغرقت حكمهم المنتخب ديمقراطيا في موجة الاحتجاجات الشعبية المهولة التي مهدت لإإزالة نشاط تنظيمهم وتجريمه بتلك الطريقة الدراماتيكية والدموية ليس انتهاء بفض اعتصامات ميادين رابعة ومصطفى محمود وغيرها فحسب بل لاحقتهم بضراوة وقسوة حينما رفعوا عليها السلاح كردة فعل في سيناء ومواضع صدام دام أخرى بقصد اقتلاعهم عن أرضها كلها بصورة لا هوادة فيها .
غير أن الغرابة تكمن في تعاطيها المتسامح مع ذات التيار الفكري خارج حدودها الجنوبية !
فظلت حتى في بيانها بالأمس ترسل لكيزان السودان إشارات التطمين وعبارات الغزل المبطن الذي ابتسم له الجماعة هنا في استرخاء وهم يفعلون مهماز حصان حربهم مادين لسانهم لكل دعوات وجوب الهدنة الإنسانية وتلمس سبل وقف إطلاق النار و من ثم تعطيل البحث عن صيغة للحلول السياسية والنظرة الى مستقبل الحكم المدني التي تقود إلى تحييد القبضة العسكرية عن الطموح في مستقبل الحكم وهو الخيار الذي كان ولازال جليا بأنه لشد ما يقلق مصر دائما ولن ترى في إمكانية افشاله غير التغاضي عن تغلغل إسلاميي السودان في صفوف الجيش رغم افتعال نفيها المريب وعلمها بالتأثير الكيزاني على قرارات السلطة هنا في عدم الاستجابة لأية مساعي لإيقاف الحرب إلا إذا تم ذلك عبر البوابة التي تخدم المصالح المصرية وهذا ما تجلى في بيانها الاخير الذي أعقب زيارة البرهان التي أوحت في جانبها الخفي أنها نسفت جزئيا ما بني على زيارة الرجل إلى السعودية عرقلة لرؤية الرباعية المتمثلة في إعادة الملف السوداني برمته والتي بدت من البيان المصري إلى يد الحكومة هناك لتحريكه بمعرفتها وتبعا لمصالحها السيادية والأمنية والقومية والاقتصادية وضمان أمنها المائي ..ولو يكون ذلك في تصالح مع الإسلاميين هنا كخيار تكتيكي مؤقت وليس بالضرورة أن يظل استراتيجيا بعيد المدى.. و لكن بغض النظر عن أثر ذلك التغاضي على تأزيم الداخل السوداني المازوم اصلا موتا و شتاتا وجوعا و انقسامات سياسية و سجال عسكري متهافت وراء أفق لا تلوح من خلفه حتى الآن بادرة مبشرة لانقشاع ازمتنا التي تطاولت وتشعبت .
حمانا الله من شرورها . رأفة بشعبنا الذي ظل ولازال يدفع ثمنها الفادح !
وهو من وراء القصد والمستعان..

زر الذهاب إلى الأعلى