الأعمدة

الفرق بين العالم الناقم والعالم الناصح للحاكم!

أذكر أنه في إحدى سنوات الجفاف التي أحرقت الزرع وأهلكت الضرع، وكنت يومها في إجازة بالسودان، وخلال وجودي بالعاصمة الخرطوم، صليت الجمعة في أحد المساجد. وقد أفرد الإمام، وهو فقيه معروف، معظم خطبته للحديث عن تفشي الفساد في المجتمع، معتبراً أن ذلك هو السبب في غضب الله، وأن الجفاف الذي أصاب البلاد ما هو إلا عقوبة إلهية بسبب ما اقترفه الناس من معاصٍ.
غير أنه لم يشر، ولو من طرف خفي، إلى تقصير السلطة في محاربة الفساد الذي استشرى في دوائر الحكم، نتيجة تغول أصحاب النفوذ واستئثارهم بثروات البلاد وتبديدها في غير مصلحة المجتمع. بل حمّل عامة الناس وحدهم مسؤولية ما آلت إليه الأحوال من جوع وفقر وحاجة، ثم ختم خطبته بالدعاء للحاكمين بأن يوفقهم الله لتطبيق شرعه، وأن يجعل أيديهم بيضاء على الأمة.
وما إن انتهت الصلاة حتى تصدى له أحد الشباب الحاضرين، وقد بدا من حديثه أنه متدين ومثقف وعائد حديثاً من بعثة دراسية في أوروبا، فقال:
“يا شيخنا، لقد عدت قبل شهر تقريباً من عدة دول أوروبية، وأقسم بالله أن المطر كان يهطل فيها بصورة شبه متواصلة، والحياة تسير بدقة وانتظام. وهي دول لا تخفى عليكم مظاهرها التي تعتبرونها من الرذائل، كالدعارة والمثلية والخمارات والمراقص، والتي يعدها أهلها – وفق قوانينهم – شأناً شخصياً ما لم تتعد على حقوق الآخرين.
ومع ذلك، فإن شعوب تلك البلدان تتميز بالصدق، والوفاء بالمواعيد، والأمانة، والإخلاص في العمل، واحترام المال العام، وأداء الواجب دون خوف من سلطة. وهم من يختارون حكامهم، ويحاسبونهم عبر مؤسسات دستورية قادرة على تقويم الحاكم، بل وعزله إذا اقتضى الأمر.
كما أن أجهزتهم الأمنية لا تعتقل إنساناً لأنه قال كلمة حق أو دعا إلى الفضيلة بالحكمة والموعظة الحسنة، ما لم يحرض على العنف أو يمجد الإرهاب، فهناك يقف القانون في وجهه.
فأين نحن من ذلك يا شيخنا؟ ولماذا تلقي بكل اللوم على المجتمع، بينما تعفي صاحب السلطان من أي مسؤولية، فلا توجه إليه كلمة حق، ولا تنصحه بإقامة العدل، وهو أساس الحكم في كل الشرائع والنظم؟
إن المجتمع لا يصلح إلا إذا قام العالم بواجبه ناصحاً للحاكم قبل المحكوم، وقام المواطن بما عليه من واجبات، ونال في المقابل حقوقه كاملة، دون خوف أو إذلال. ويكون الحاكم خادماً للناس الذين أولوه أمرهم، لا سيداً عليهم يتسلط بقوة السلاح وهيبة الأجهزة الأمنية.
ولعلك يا شيخنا رأيت كيف غادر كثير من المصلين المسجد قبل قليل، خشية أن تطالهم عيون السلطة أو بطشها.”
عندها ثار هرج ومرج داخل المسجد، واحتدم الجدل، ثم وقعت اشتباكات متفرقة انتهت بانصراف معظم الحاضرين. ولا أعلم، إلى يومنا هذا، ما الذي آل إليه مصير ذلك الشاب الجريء.
لقد أراد، من خلال تلك المقارنة، أن يبين الفرق بين العالم الناصح للحاكم والعالم الناقم على المحكوم، وأن يوضح أن مسؤولية إصلاح المجتمع لا تقع على الناس وحدهم، بل هي مسؤولية مشتركة بين السلطة والعلماء والمواطنين، كلٌّ يؤدي دوره في إطار العدل وسيادة القانون.
فالوطن الذي تسوده المساواة في المواطنة، على اختلاف الأفكار والعقائد والانتماءات والجهات، هو الوطن القادر على تحويل التنوع إلى مصدر قوة ووحدة، لا إلى سبب للفرقة والانقسام.
والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى