الأعمدة

تتعمّد أطراف الحرب إدارة المشهد السياسي بذات العقلية المأزومة: الغموض، والهروب المنهجي من الإجابة على الأسئلة الكبرى

عثمان فضل الله
تشهد البلاد، سواء في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش أو تلك التي يهيمن عليها الدعم السريع، سيولة أمنية فاضحة وحالة عامة من القلق وانعدام الطمأنينة، خصوصاً في المدن الكبرى التي يفترض أن تكون أكثر أمناً واستقراراً. يعيش المواطنون على أعصابهم، محاصرين بالخوف والتوقعات، في ظل غياب أي يقين حول ما هو قادم.
في المقابل، تتعمّد أطراف الحرب إدارة المشهد السياسي بذات العقلية المأزومة: الغموض، والهروب المنهجي من الإجابة على الأسئلة الكبرى، وترك المواطن أعزل في مواجهة الشائعات والتأويلات. تُدار البلاد اليوم وكأنها ملف سري مغلق، لا وطن يخص ملايين البشر من حقهم أن يعرفوا ما يُحاك باسمهم.
تُطلق التصريحات بلا شرح، وتُتخذ المواقف بلا تعريف، وتُرفع العناوين الكبيرة بلا أي مضمون واضح. لا سياسات مُعلنة، ولا مسارات مفهومة، فقط كلمات تُستخدم لتخدير القلق العام لا لمعالجته.
فحديث كامل ادريس عقب عودته من نيويورك عن رفض القوات الدولية، مقابل القبول بما يُسمّى «مراقبة مشروطة»، ليس سوى تجلٍّ فجّ لهذا النهج الملتبس: مصطلح مطاطي بلا حدود، يُستعمل لإيهام الناس بوجود رؤية، بينما الحقيقة أن أحداً لا يعرف من يراقب من، ولا أين، ولا بأي أدوات، ولا لمصلحة من.
الأخطر أن مسار التفاوض نفسه غارق في الضباب. لا أحد يعلم على ماذا يجري التفاوض، ولا ما هي القضايا الموضوعة على الطاولة، ولا حجم التنازلات المحتملة، وكأن مستقبل الدولة يُدار بعقلية التجربة والمناورة، لا بعقلية المسؤولية الوطنية.
الدول لا تُحكم بالأسرار، ولا تُنقذ بالغموض. مصير الأوطان لا يُدار بالالتفاف على الأسئلة، بل بمواجهتها بوضوح وشجاعة. وكلما طال هذا النهج، ازداد الشك، وتآكلت الثقة، واقتربت البلاد أكثر من سلام هشّ، مؤجَّل الانفجار، يُخفي تحت سطحه بذور صراع جديد.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة
#SaveSudan
#stopthewar

زر الذهاب إلى الأعلى