الأعمدة

تحولات الخطاب وسقوط “تكتيك الضرورة”: ثورة ديسمبر في مواجهة استراتيجية الاستعادة

مجاهد بشري
يُمثل الظهور الأخير لكامل إدريس، رئيس وزراء سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، نقطة تحول جوهرية في الخطاب الرسمي لدولة بورتسودان. لم يكن استخدام مصطلحات مثل “الخونة، الصعاليق، والطابور الخامس” لوصف قوى ثورة ديسمبر مجرد انفعال سياسي، بل هو إعلان رسمي عن انتهاء صلاحية “قناع الوطنية الجامعة” والعودة إلى مربع المواجهة الصفرية مع القوى المدنية والثورية.
توظيف الحرب كأداة لإعادة إنتاج “الدولة القديمة”
لم تكن الحرب بالنسبة لتيار النظام البائد مجرد صراع عسكري مع طرف متمرد، بل جرى استثمارها كـ “ممحاة تاريخية” تهدف إلى شطب مكتسبات ثورة ديسمبر حيث اعتمدت هذه الاستراتيجية على ثلاثة مسارات:
الاختزال الهيكلي للصراع: عبر حصر النقاش في ثنائية “الشرعية ضد المليشيا”، لتغييب الأسئلة الكبرى حول المتسبب في إشعال الحرب، ومصير التحول الديمقراطي، وعودة واجهات الأمن الشعبي للواجهة.
تأميم مفهوم الوطنية: إعادة صياغة الوطنية بوصفها “الولاء المطلق للسلطة القائمة”، وتحويل النقد السياسي إلى “تهديد أمني” يقع تحت طائلة القانون.
استنزاف القوى المدنية: جرى استدراج قطاعات واسعة من الشارع تحت شعار “تأجيل الأجندة الثورية لحين حسم المعركة”، ليُكتشف لاحقاً أن السلطة تستخدم هذا الوقت لترسيخ قبضتها الأمنية والتشريعية.
لماذا تظل “ديسمبر” هي العدو الاستراتيجي؟
لا ينظر خصوم التغيير إلى ديسمبر كحراك سياسي عابر، بل كخطر وجودي يهدد بنية “دولة الامتيازات”، تكمن كراهية هذا التيار للثورة في كونها:
نزعت القداسة عن السلطة: كشفت هشاشة النظام القديم وفككت أدوات سيطرته النفسية على المجتمع.
خلق البديل القاعدي: شكّلت لجان المقاومة والشبكات الاجتماعية والخدمية نموذجاً للإدارة الذاتية يتجاوز بيروقراطية الدولة الفاشلة.
عولمة القضية السودانية: ربطت نضال السودانيين بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، مما يصعب مهمة شرعنة الانقلابات العسكرية دولياً.
قانون المعلوماتية.. “عسكرة الفضاء الرقمي”
حديث السلطة عن قوانين جديدة للمعلوماتية ليس تنظيماً تقنياً، بل هو محاولة لشرعنة القمع الرقمي. يهدف هذا التوجه إلى:
تجريم التوثيق: منع رصد الانتهاكات أو تسليط الضوء على الفساد الإداري والمالي في مناطق السيطرة.
إغلاق المجال العام: تحويل منصات التواصل الاجتماعي من ساحات للنقاش إلى أدوات للاعتقال بتهم “زعزعة الروح المعنوية” أو “التحريض ضد الدولة”.
معضلة “تعدد المليشيات” وتآكل الرواية الرسمية
يصطدم الخطاب الرسمي الذي يهاجم “المليشيا” بواقع انتشار تشكيلات مسلحة موازية خارج إطار المؤسسة العسكرية المهنية، هذا التناقض يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل المعيار هو رفض السلاح خارج إطار الدولة، أم رفض السلاح الذي لا يخضع لإرادة الأيدلوجية الحاكمة؟
إن عسكرة المجتمع تحت أي مسمى تقوض مفهوم الدولة الحديثة وتؤسس لحروب أهلية مستدامة.
أمام هذا التصعيد، يتعين على القوى المدنية ولجان المقاومة تبني استراتيجية “الوعي المنظم” عبر الحقائق التالية:
فك الارتباط الزائف: رفض الدعم السريع لا يعني بالضرورة القبول بعودة النظام البائد؛ فالحقوق المدنية لا تُقايض بالأمن.
استعادة تعريف الدولة: الدولة هي المؤسسات والقانون والمحاسبة، وليست مؤسسة عسكرية مؤدلجة و مختطفة.
المرونة الرقمية والأمنية: تطوير آليات العمل السري والعلني، وتدريب القواعد على الأمن الرقمي لمواجهة ترسانة القوانين القمعية القادمة.
التمسك بالخطاب الثابت: التركيز على إيقاف الحرب، وحماية المدنيين، والعودة للمسار المدني الديمقراطي كأهداف لا تقبل المساومة.
إن خطاب كامل إدريس هو “مانيفستو” لمرحلة جديدة من الصراع، تهدف لتصفية الحساب مع ثورة ديسمبر، الرد الحقيقي ليس في الانجرار للمواجهات العنيفة، بل في الحفاظ على تماسك الشبكات الاجتماعية وتوثيق الانتهاكات، والتأكيد على أن الثورة فكرة لا تقتلها القوانين الفضفاضة ولا لغة التهديد، و أن استدعاء الثورة عند الاحتياج لها..
ثم وصفها بالتهديد الأمني عندما تنتفي إليها الحاجة، هذا أمر قد ولّى زمانه.

زر الذهاب إلى الأعلى