



#روما، رضوان علي الحسن
تتوالى فصول مسلسل العقوبات الصارمة على المنتخبات الوطنية الأفريقية عقب الإخفاق في البطولات القارية، حيث دخل منتخب الغابون حديثاً إلى قائمة المنتخبات التي عوقبت حكومياً. فبعد الهزيمة الثالثة والخروج المُذل من الدور الأول لكأس أمم أفريقيا الأخيرة، أعلنت الحكومة الغابونية قراراً صارماً شمل إيقاف المنتخب الوطني بكامله، وإقالة الجهاز الفني، واستبعاد نجمه العالمي بيير إيمريك أوباميانغ من التشكيلة الوطنية. هذا القرار أعاد إلى الأذهان ذكريات أقسى عقوبات شهدتها كرة القدم العالمية والعربية، تجاوزت فيها العقوبات الحدود الرياضية إلى حدود لم تتخيلها الخيال.
أما أبرز الحوادث العالمية والعربية:
ساحل العاج 2000: فصل من الرعب العسكري
بعد الإقصاء المبكر من كأس أمم أفريقيا، أمر الرئيس الإيفواري آنذاك، روبرت غوي، بحبس لاعبي المنتخب في ثكنة عسكرية لمدة يومين. صودرت هواتفهم وجوازات سفرهم، وأجبروا على برنامج عسكري قاسٍ يتضمن تحية العلم ودروس تربية مدنية. وواجهوا الرئيس لاحقاً حيث هددهم صراحة بالخدمة العسكرية الإلزامية (18 شهراً) إذا ألحقوا “العار” بالبلاد مرة أخرى.
· العراق في عهد صدام حسين: عقوبات مهينة
فرض عدي صدام حسين عقوبات غريبة على لاعبي المنتخب العراقي عند الخسارة، منها قص شعرهم بشكل مهين، وإجبار البعض على ركل كرة خرسانية عقب إهدار ركلات جزاء، في مشهد يجسد الخلط بين السلطة المطلقة والرياضة.
· الأرجنتين 1958: شطب مدى الحياة
عقب الخسارة الثقيلة (6-1) أمام تشيكوسلوفاكيا في مونديال السويد، قرر الاتحاد الأرجنتيني شطب 10 لاعبين من السجلات ومنعهم من ممارسة الكرة مدى الحياة، في قرار تاريخي يهدف لامتصاص غضب جماهيري عارم.
· قطر 2022: عقوبات ما بعد المونديال
بعد الإقصاء من كأس العالم على أرضها، عاقب الاتحاد القطري لاعبي المنتخب بسبب “تصرفات مستفزة” على وسائل التواصل. حيث أوقف عبدالكريم حسن لأجل غير مسمى، وغرّم هو وزملاؤه مبالغ كبيرة، وخصم من رواتبهم بنسبة 50%.
· الكاميرون ورفض النجوم: سياسة الحسم
اشتهر الاتحاد الكاميروني بالحسم مع اللاعبين الرافضين الترشيح، كما حدث مع مدافع ليفربول جويل ماتيب، الذي رفض المشاركة في كأس أمم أفريقيا 2017، مما أدى إلى تجميد دعوته للمنتخب لسنوات، في سياسة واضحة لتقديم مصلحة الفريق على الفرد.
· الجزائر وأزمة الولاء: صدام مع بلماضي
أثار رفض المهاجم أندي ديلور الانضمام لمنتخب الجزائر قبيل كأس أمم أفريقيا 2021 عاصفة، حيث هاجمه المدرب جمال بلماضي علناً ووصف قراره بأنه “نكتة العام”، في إشارة إلى تعارضه مع قيم الولاء الوطني التي تمثلها أسماء مثل إسلام سليماني.
· قضايا فساد ومراهنات: ساحات مشتعلة
شهدت الساحات العربية عقوبات قاسية في قضايا فساد، كما في لبنان حيث أوقف 26 لاعبا مدى الحياة، منهم الدولي محمود العلي، بسبب علاقتهم بشبكات مراهنات، مما يكشف الوجه الخفي الخطير في اللعبة.
أما العقوبات في السعودية: إرث انضباطي طويل
شكلت الإدارة الرياضية السعودية نموذجاً في فرض الانضباط، حيث سجلت عقوبات بارزة عبر العقود:
· استبعاد محمد نور بعد خليجي 2004.
· إيقاف نجوم كبار مثل يوسف الثنيان ومحمد الدعيع وسامي الجابر في تسعينيات القرن الماضي.
وفي سوريا ايام الحكم الاسدي تم ايقاف النجم الشهير عبد القادر كردغلي الذي كان أحد أعمدة المنتخب السوري قبل إستضافة هذا البلد لدورة البحر الأبيض المتوسط عام 1987 حيث كان إتحاد كرة القدم في عهدة العميد فاروق بوظو صاحب الشخصية القوية. والمعروف أن سورية بذلت الغالي والنفيس في تلك الفترة الصعبة من تاريخ أقتصادها من أجل إنجاح البطولة التي تشارك فيها دول مثل فرنسا وإيطاليا ويوغسلافيا واليونان وتركيا وإسبانيا إلى جانب المغرب والجزائر وتونس ومصر وليبيا وكل من يطل على البحر المتوسط … وكانت كل عيون السوريين على مسابقة كرة القدم … ومع هذا ولتأخره عن تمرين ( حسب رواية الإتحاد ) ومن ثم دخلوه في مشادة كلامية مع أحد الإداريين تم إبعاد الكردغلي عن دورة المتوسط وبدونه فازت سورية بالذهبية على حساب لبنان وتركيا واليونان وفرنسا ….ولم يعد الكردغلي للمنتخب إلا بمكرمة رئاسية حيث قاده لفضية كأس العرب بعدها.
وقرار الغابون الأخير ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل. الفارق الجوهري يبقى بين عقوبة انضباطية مهنية تحفظ حقوق المؤسسات وتصون نظام اللعبة، وبين عقوبة قسرية تعسفية تنتقص من كرامة الرياضي وتخلط الرياضة بالسياسة أو الأهواء الشخصية. تاريخ كرة القدم يحفظ كلا النموذجين، لكن المستقبل يفضل دائماً حكمة الإدارة على قسوة السلطة.



