الأعمدة

إيران… رقصة عنيفة لنظامٍ ذبيح

نزار عثمان السمندل
تدخل إيران زمناً حرجاً تُصاغ فيه القرارات تحت ضغط الأعصاب، بعيداً عن حسابات التخطيط الهادئ، ويُبنى فيه السلوك السياسي على استدعاء الخوف أكثر مما يقوم على اليقين.
في هذا المناخ المتوتر، يبرز التلويح باستهداف القواعد العسكرية الأميركية في الخليج كإشارة قاسية، يتجاوز صداها قدرتها الفعلية على التنفيذ، وتكشف عن نظام يشعر بأن الأرض تضيق من حوله، في الداخل والخارج معاً.

تحت شوارع تغلي وبيوت مثقلة بالغضب، تواجه الجمهورية الإسلامية واحدة من أعنف لحظاتها منذ ولادتها. أرقام القتلى والمعتقلين، مهما جرى تدويرها أو تخفيف وقعها، تسكن الوعي الجمعي، وتحوّل الاحتجاج من حدث عابر إلى جرح مفتوح. الاعتراف الرسمي بالخسائر البشرية، بتوقيته ومضمونه، لم يكن خطوة شفافية بقدر ما كان إقراراً بالعجز عن مواصلة الإنكار، في زمن تتسرب فيه الحقيقة أسرع من قدرة الرقابة على خنقها.

في المقابل، تراقب واشنطن المشهد بعين باردة ولسان سليط محمّل بالإيحاء والتهديد الصريح. دعوة الرئيس الأميركي للإيرانيين إلى مواصلة الاحتجاج، مقرونة بوعد غامض بـ«مساعدة في الطريق»، لم تُصَغ لتقديم برنامج، إنما لزرع قلق إضافي داخل بنية القرار في طهران.
الرسالة وصلت إلى الشارع كما إلى مراكز القوة: العالم يرى، والاحتمالات مفتوحة. هذا النوع من الخطاب لا يحتاج إلى جيوش كي يترك أثره، إذ يكفي أن يزرع الشك في حسابات الخصم.

أمام هذا الضغط المركب، تبحث القيادة الإيرانية عن ورقة قادرة على رفع الكلفة النفسية لأي تدخل محتمل. التلويح بالقواعد الأميركية في الخليج لا يهدف فقط إلى استعراض قدرة عسكرية، بقدر ما يسعى كذلك لتوسيع دائرة القلق، ونقل السؤال من طهران إلى العواصم المجاورة: هل تتحمل المنطقة ارتدادات مغامرة جديدة؟
هنا يتحول الأمن الإقليمي إلى جزء من معادلة الردع، وتغدو دول الخليج طرفاً قلقاً، حتى وهي تحاول الإمساك بخيوط التهدئة.
هذا التصعيد لا يولد من فراغ. أدوات النفوذ التي راكمتها إيران طوال سنوات، بدأت تتآكل، والعقوبات تترك آثارها العميقة في الاقتصاد اليومي، بينما لم ينجح القمع الداخلي في إعادة الشارع إلى ما كان عليه. الرهان على الشدة الأمنية يمنح النظام وقتاً قصيراً، لكنه يراكم عليه كلفة أخلاقية وسياسية تتجاوز حدوده، وتفتح أبواباً إضافية للضغط والعزلة.

في الخارج، يتوزع المشهد الدولي بين إدانات أوروبية وتحذيرات روسية من العبث باستقرار المنطقة. هذا التباين يعمّق شعور طهران بأنها تُستَخدم ساحة اختبار لتوازنات كبرى، من دون أفق واضح لمسار سياسي قادر على كبح الانفجار. أما العقوبات الجديدة، خصوصاً تلك التي تطال شركاء إيران التجاريين، فتضيف طبقة أخرى من الاختناق، وتغذي الاحتجاجات التي خرجت أصلاً من رحم الضيق المعيشي.
ورغم كل ذلك، ما زالت النخب الأمنية والسياسية متماسكة في الحد الأدنى، وهو عامل يمنح النظام قدرة على الاستمرار، وإن بثمن باهظ. الشارع غاضب، لكنه لم يبلور بديلاً منظماً، والخارج يضغط، لكنه يحاذر القفز إلى المجهول. بين هذه الدوائر، يتحول الزمن إلى سلاح بيد الجميع.
غير أن اللعب بورقة القواعد الأميركية يحمل مخاطرة مضاعفة. أي خطأ في التقدير قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع، تتجاوز قدرة طهران على التحكم بمسارها ونتائجها، وتدفع دول الخليج إلى مواقف أكثر تشدداً، بعدما كانت تميل إلى ضبط الإيقاع.
في لحظة كهذه، يبدو التصعيد أقرب إلى حركة أخيرة يائسة، رقصة عنيفة لنظام يشعر أن السكين تقترب، فيلوّح بجناحيه؛ مثل ديكٍ ذبيح… على أمل أن يتراجع الآخرون خطوة.

زر الذهاب إلى الأعلى