
(موطيء قلم)

محمد عبدالله برقاوي
في سالف الأزمان، وحتى عهدٍ ليس ببعيد، وتحديدًا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كنا نتابع بشغف كبريات الصحف المصرية واللبنانية، وأشهر المجلات الفنية والثقافية، التي كانت ترقد إلى جانب الإصدارات المحلية في الأكشاك والمكتبات المنتشرة في أنحاء العاصمة المثلثة الخرطوم. وكانت تلك المطبوعات القادمة من القاهرة وبيروت تصل إلى البلاد على متن طائرات الصباح الباكر، يوميًا، دون تأخير.
وكنا، ونحن شباب نخطو أولى خطواتنا في بلاط صاحبة الجلالة، مغرمين بكُتّاب تلك الصحف، بالقدر نفسه الذي كنا نعجب فيه بأساطين الصحافة السودانية، نستقي من هؤلاء وأولئك أساليب الكتابة الجادة والساخرة، وننهل من مدارسهم المختلفة.
وأذكر أن حريقًا اندلع ذات يوم في أحد أكبر مصانع القطاع العام لإنتاج الكبريت في الشقيقة مصر، فتسبب في أزمة حادة في سوق ذلك المنتج، على صغر حجمه وأهميته اليومية. وقد تناول الكاتب المصري الساخر الراحل أحمد رجب تلك الأزمة بطريقته الظريفة، مدعيًا أنه لم يجد حتى عود ثقاب يشعل به غليونه أو سيجارته، فكتب في عموده الشهير “نصف كلمة” برقيةً قصيرة قال فيها:
«إلى السيد رئيس مجلس إدارة مصنع الكبريت المحترق… تسمح تولع لي؟!»
وبالأمس، وفي خضم أزمة الكهرباء الخانقة أصلًا في السودان، جاءت ثالثة الأثافي، حين تفاقمت الأزمة عقب الحريق الذي اندلع مؤخرًا في محطة التوليد بسد مروي الاستراتيجي، فتأثرت ولايات الخرطوم، والشمالية، ونهر النيل، والجزيرة، وارتفعت ساعات انقطاع التيار الكهربائي نتيجة انخفاض الإنتاج، لتتراوح بين اثنتي عشرة ساعة، وتبلغ في بعض المناطق نحو عشرين ساعة، في ظل درجات حرارة مرتفعة تزيد معاناة المواطنين في هذه الأيام العصيبة.
وقد كتبت الزميلة الصحفية النابغة الأستاذة سهير عبد الرحيم، في عمودها “خلف الأسوار”، أن أحد رجال الأعمال الخيرين عرض على الحكومة، ومنذ فترة، أن يتكفل بإعادة تأهيل قطاع الكهرباء في البلاد دون مقابل، مكتفيًا بأن يزوّده الوزير المختص بقائمة الاحتياجات الفنية المطلوبة، حتى يتولى استجلابها بأسرع وقت للمساهمة في إنهاء الأزمة.
غير أن الوزير ــ بحسب ما أوردته الزميلة ــ تباطأ في إنجاز المطلوب، رغم توجيهات الجهات العليا له بالإسراع في ذلك، وانتقدت ما وصفته بعدم إحساسه بحجم معاناة المواطنين جراء تدهور الإمداد الكهربائي، وهو الأمر الذي ينعكس على مختلف الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها إمدادات مياه الشرب.
ونحن، إذ نشارك الأخت سهير عبد الرحيم تساؤلها المشروع في هذا الظرف الحرج، لا نجد أبلغ من أن نبعث إلى السيد الوزير برقيةً مقتضبة، على طريقة الأستاذ أحمد رجب، نقول فيها:
«الله ينوِّر عليك… يا معالي الوزير!»
وهو المستعان..



