الأعمدة

السودان والإخوان: من لم يفهم التنظيم أخطأ المعركة

عزت خيري
يشكل تصريح وزير الشؤون الإسلامية السعودي ضد جماعة الإخوان المسلمين علامة على أن المنطقة بدأت تقرأ هذا التنظيم بعينٍ أكثر اقتراباً من جوهر الخطر.
فالإخوان ليسوا تياراً فكرياً عادياً، ولا جماعة دعوية انحرفت بها السياسة عرضاً. إنهم تنظيم سلطة قبل أي شيء آخر. وتجربتهم في السودان هي الكتاب المفتوح لمن أراد أن يرى: دخلوا الدولة من أبواب الدين، ثم أغلقوا على الناس أبواب السياسة، وجعلوا الشريعة لافتة للتمكين، والطاعة حبلاً لربط المجتمع، والمؤسسات سلّماً يصعدون به فوق رقاب الوطن.
ثلاثون عاماً كانت كافية لتنكشف الحقيقة. لم يتركوا دولة قوية، ولا مجتمعاً مطمئناً، ولا ديناً مصاناً من التوظيف، بل تركوا بلاداً مثقلة بالحروب والعزلة والفساد وانكسار الثقة بين الناس والدولة.
والخطر الحقيقي في الإخوان لا يقف عند خطابهم، بل في طبيعتهم التنظيمية نفسها: قدرتهم على تبديل الجلد كلما تبدّل ميزان القوة.
وجه الدعوة حين يضعفون،
ووجه الدولة حين يتمكنون،
ووجه المظلومية حين يُحاسبون.
لذلك لم تكن معركة السودان معهم معركة أفكار في الهواء، بل معركة شعب مع تنظيم حوّل الدولة إلى غنيمة، والدين إلى أداة حكم، والوطن إلى حقل تجارب لمشروعه المغلق. ومن لم يفهم طبيعة التنظيم، أخطأ طبيعة المعركة.
وهنا يختلف السودان عن كثير من بلدان المنطقة. ففي أغلب السياقات العربية والإسلامية التي لم تمر بتجربة سيطرة كاملة لجماعة الإخوان على الحكم، تكون معركة الدولة مع الجماعة معركة وقاية: منع الاختراق، حماية المؤسسات، وتقوية أجهزة الدولة حتى لا تتحول إلى ممر للتنظيم أو غطاء لتمدده.
أما في السودان، فالمعادلة أكثر تعقيداً وخطورة. فالجماعة لم تقف خارج الدولة تنتظر فرصة الدخول إليها، بل حكمت من داخلها لأكثر من ثلاثين عاماً، وزرعت كوادرها في مفاصلها القانونية والأمنية والعسكرية والإدارية. لذلك فإن الوصفة التي قد تصلح في أماكن أخرى، أي تقوية مؤسسات الدولة في مواجهة الإخوان، قد تنقلب في السودان إلى عكس مقصودها إن لم تسبقها عملية واضحة لتفكيك بنية التمكين داخل هذه المؤسسات.
فحين تكون مؤسسات الدولة مخترقة، أو محمولة على إرث التنظيم، فإن تقويتها دون إصلاحها لا تعني بالضرورة تقوية الدولة ضد الإخوان، بل قد تعني تقوية الحصن الذي احتموا به، وتمويل الأدوات التي يعيدون بها إنتاج نفوذهم، ومنح الشرعية لما تبقى من شبكاتهم داخل أجهزة القانون والأمن والسلاح.
لذلك لا تكفي في السودان عبارة “تقوية مؤسسات الدولة” إن لم تُطرح معها أسئلة أكثر صراحة: أي دولة؟ أي مؤسسات؟ ومن يسيطر على مفاصل القرار داخلها؟ فالمشكلة ليست في ضعف الدولة وحده، بل في أن جزءاً من هذا الضعف صُنع عمداً بواسطة جماعة أرادت للدولة أن تكون قوية حين تخدمها، وعاجزة حين يطالبها المجتمع بالعدالة والحرية.
ومن هنا، فإن مقاومة الإخوان في السودان لا تبدأ بمجرد ترميم المؤسسات كما هي، بل بتحريرها سياسياً وقانونياً من إرث التمكين، وإعادة بنائها على قاعدة وطنية ديمقراطية. فبغير ذلك، يصبح شعار حماية الدولة باباً خلفياً لحماية التنظيم، ويصبح الخوف من انهيار المؤسسات ذريعة لإبقاء ذات الشبكات التي أوصلت البلاد إلى هذا الانهيار.
وفي السودان، لا سلام حقيقي، ولا انتقال ديمقراطي مستقر، ما لم تُقرأ تجربة الإخوان كما هي: ليست خطأً سياسياً عابراً، ولا مرحلة انتهت بانقلاب أو سقوط نظام، بل مشروع منظم لاختراق الدولة وإعادة تشكيلها ضد المجتمع.
لذلك فإن واجب القوى المدنية والديمقراطية اليوم أن تحرس صفوفها من رخاوة الموقف وضبابية التحليل. فالتهاون في تسمية الخطر يفتح له باب العودة، وضعف الفهم يمنحه لغة جديدة للتسلل، والخلط بين المصالحة الوطنية والتساهل مع مشروع الإخوان لا يصنع سلاماً، بل يزرع بذرة الحرب القادمة في تربة الدولة نفسها.
المطلوب موقف واضح، لا قسوة فيه على الناس، ولا رحمة فيه بالمشروع الذي خرّب حياتهم: مواجهة هذه الجماعة سياسياً وفكرياً وتنظيمياً، ومنع تسللها إلى مؤسسات الدولة ومسارات الانتقال المدني.
فالسودان الذي دفع من دمه وعمره وطمأنينته ثمناً باهظاً لا يحتمل دورة جديدة من الخداع باسم الدين، ولا عودة لمن جعلوا الدولة مزرعة للتنظيم، والوطن رهينة لمشروعهم. ومن أراد العافية لهذا البلد، فليبدأ من موضع الداء: تسمية الخطر باسمه، وقطع الطريق على عودته، حتى لا تُلدغ البلاد من ذات الجحر مرة أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى