أيها الناس … عليكم بالسلام
بقلم/ بابكر عيسى أحمد
الحرب عادةً لا توزع الرياحين وإنما تحصد الأرواح، وفي الأغلب الأرواح البريئة والطاهرة التي لم تتلوث ايدلوجياً أو ترتمي في احضان الإرتهان لأي قوى سياسية … الضحايا في الأغلب الأعم هم اولئك الأبرياء الذين يبحثون عن الأمن والإستقرار والعيش الكريم في أوطان معافاه من التسلط والديكتاتورية والفساد.
الشعب السوداني صعق بالكارثة التي حلت بقبيلة “المجانين” والتي استهدفت رموزها وقياداتها وكوكبة من رجالها وابنائها المستنيرين والذين اسهموا ويسهمون في بناء وطن أعياه التوهان في دروب السياسة الوعرة، التي حولت وجه الحياة إلى محرقة بشرية دمرت كل شيء وشردت الأهل من ديارهم ليصبحوا لاجئين في بلاد الغربة، لم يبكي على مأساتهم أحد فيما ظل أبناء الوطن الواحد -الواسع والكبير- يخرجون أبشع مما في دواخلهم من كراهية وحقد وكأنهم مكلفون بتدمير ذلك الوطن الجميل والرائع الذي يعرفه الجميع بطيبة أهله وأصالتهم وعزتهم ونقائهم … حولتهم سنوات الحكم العضود الذي امتد وتطاول في عمر السودان الوطن ليخلف لنا شظايا وطن نسعى جاهدين للملمة أطرافه وترميم وجهه الذي كان جميلاً، فيما بقي الفساد والمفسدون يلهون في الأرض اليباب ويتاجروا بثرواته وحاضره ومستقبله.
استهداف ناظر قبيلة المجانين الشهيد سليمان جابر جمعة سهل وكوكبة من أهله ورفاقه وقع على الجميع وقع الصاعقة في مختلف بقاع العالم وفي الخليج -السعودية والإمارات- نصبت سرادق العزاء وفي الدوحة -التي عشت فيها زماناً ليس بالقصير- لم أرى أو أعايش حشداً بالقدر الذي رأيته في العزاء بمنطقه معيذر.
رحم الله الناظر سليل أسرة “جمعة سهل” العريقة وجميع الشهداء الذين سقطوا بالغدر والخديعة ليفتح هذا الحادث الأليم والبشع صفحة جديدة تضاف إلى صفحات المآسي السودانية المتوالية تحت ظل هذه الحرب اللعينة التي شوهت وجه الحياة لتولد موجات متلاحقة من الغضب والكراهية وتجعل الثأر باباً مفتوحاً للموجوعين وتدخل البلاد في أتون حرب مستعرة ومشتعلة يمكن أن تدمر كل شيء.
غياب العدالة هو المقدمة الأولى لغياب الأمن حيث تسترخص حياة الأبرياء وتدق من جديد طبول الحرب التي استهدفت هذه المرة القيادات الأهلية الفاعلة في مجتمعاتها ومناطقها وهو استهداف لنسيج الوطن وتهشيم لقيادات فاعلة في محيطها وقادرة على أن تزرع الحب والوفاق بين أبناء الشعب الذي بعثرته الدروب والأهواء والتطلع المريض للسلطة.
إن هذه الواقعة رغم خصوصيتها وانحسارها في منطقة جغرافية محددة هي منطقة “المزروب” فيجب أن تكون ناقوساً يقرع فوق رؤوس الحالمين بالسلطة فوق جثة الوطن … يبقى السير في طريق السلام والتعايش والإلتئام مقدمة ضرورية لوقف هذا العبث.
لعبة “مسك العصى من المنتصف” لا تفيد كثيراً في هذه المنعطفات الإنسانية الحادة، والذين تسببوا في معاناة أهل السودان عليهم الان أن يدفعوا الثمن وأن يعتذروا لهذا الشعب المكلوم على كل جرائمهم وأن نبدأ كتابة صفحة جديدة عنوانها الطهر وبراءة الذمة ونظافة اليد.
لا يمكن -يا هداك الله- أن تكون القاتل وأن تكون الضحية في ذات الوقت، الذين يتكسبون من هذه الحرب اللعينة عليهم التوقف عن العبث بحياة الملايين الذين أعياهم التشرد واضناهم المرض وهدهم الجوع في مخيمات اللجوء … هذه المحنة يجب أن تتوقف وأن تتوقف الآن، فمن المهين أن لا نستفيد ونتعلم من تجارب الأمم والشعوب، ولنا ما حدث في “رواندا” أبلغ مثل حيث بلغت الكراهية والحرب الأهلية حد “القتل بالسواطير”.
إن رفضنا جميع الجهود الإقليمية والدولية الساعية لوقف الحرب، فعلى النخب السودانية أن تبحث لنا عن مخرج من هذا المأزق الوجودي لإنتشال الوطن من وهدة السقوط المدوي وحتى لا يتحول إلى جزر مبعثرة وشظايا وطن كان اسمه السودان.
لست عرافاً لاقترح الحلول ولكن استقر في يقيني أننا نفتقر إلى القيادة الملهمة والقادرة على انتشالنا من هذا الغيهب … وتجربتنا البائسة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، ولكن استقر في يقيني ومنذ سنوات بعيدة أن “قامة الشعب السوداني أعلى من قامة كل قادته وسياسييه ونخبه منذ الإستقلال وحتى الفاجعة الراهنة”.
يا أيها الناس إن الجنوح إلى السلم ليس جريمة ولكن الجريمة هي استمرار هذه المأساه التي تقتاد من صبرنا وقدرتنا على الصمود أو حتى رغبتنا في بناء السودان الجديد الذي نحلم به جميعاً.



