الأعمدة

تعليق على مقال: «تصدّع الإمبريالية من الداخل: خطاب كندا في دافوس بوصفه وثيقة انهيار الهيمنة العالمية»

ضياء الدين محمد أحمد
يقدّم المقال قراءة متماسكة وعميقة لخطاب مارك كارني في دافوس بوصفه لحظة اعتراف نادرة من داخل المركز الرأسمالي بأزمة النظام الدولي الليبرالي. قوّة النص لا تكمن فقط في إحالاته النظرية المتعددة، بل في قدرته على ربط الاعتراف السياسي الراهن بالبنية التاريخية للإمبريالية بوصفها نظامًا للتراكم، لا منظومة قيم أو مؤسسات قابلة للإصلاح. وهذا في حد ذاته إسهام مهم في تفكيك الخطاب السائد الذي لا يزال يتعامل مع الأزمة بوصفها «خلل حوكمة» لا أزمة نمط إنتاج.
أولًا: في قوة المقاربة الماركسية للنص
يحسن الكاتب توظيف لينين، هارفي، والرشتاين، وغرامشي لا بوصفهم «سلطة نظرية»، بل كأدوات تفسير حية تضيء الواقع المعاصر. الربط بين اعتراف كارني وبين مفهوم «أزمة الهيمنة» عند غرامشي بالغ الدقة، خاصة في إظهار كيف يتحول الخطاب الأخلاقي إلى أيديولوجيا تبريرية حين يفقد النظام قاعدته المادية. كذلك فإن الإشارة إلى انتقال الإمبريالية من الهيمنة إلى الإكراه تمثّل توصيفًا دقيقًا لمرحلة تتكثف فيها العقوبات، والحروب الاقتصادية، وتسليح سلاسل الإمداد.
ثانيًا: حدود الخطاب الإمبريالي الإصلاحي
يُحسب للمقال أنه لا يقع في فخ قراءة خطاب كارني بوصفه «نقدًا ذاتيًا تقدميًا»، بل يكشف طابعه الإنقاذي. غير أن النص كان يمكن أن يذهب أبعد في تفكيك وظيفة هذا النوع من الخطابات داخل المركز نفسه: فهي لا تعبّر فقط عن أزمة، بل تؤدي دورًا في إدارة الانقسام داخل الكتلة الإمبريالية، ومحاولة إعادة ترتيبها عبر تحميل «الليبرالية الدولية» المسؤولية، لا الرأسمالية الاحتكارية ذاتها. هنا يلتقي خطاب كارني، paradoxically، مع أطروحات اليمين القومي في تحميل العولمة المسؤولية دون المساس بعلاقات الملكية.
ثالثًا: بين الواقعية والماركسية – نقطة تفوق النص
يميز المقال بوضوح بين القراءة الواقعية للأزمة بوصفها عودة إلى «توازن القوى» والقراءة الماركسية التي ترى في الأزمة تعبيرًا عن مأزق تاريخي في إعادة إنتاج النظام ذاته. هذا التفريق مهم، لأنه يمنع الانزلاق إلى وهم «تعددية قطبية مستقرة»، ويعيد الصراع إلى جذوره الطبقية العالمية، لا إلى مجرد إعادة توزيع للقوة بين دول رأسمالية كبرى.
رابعًا: مسألة الأطراف – التحذير في محله
التحذير من أن تصدّع المركز لا يعني تلقائيًا تحرر الأطراف هو من أقوى مقاطع النص. استدعاء بولاني هنا موفق، لأنه يذكّر بأن الأزمات قد تُنتج فاشيات جديدة بقدر ما تفتح إمكانات تحرر. وربما كان من المفيد توسيع هذه النقطة بربطها بتجارب الجنوب المعاصر، حيث تُعاد إنتاج التبعية بأدوات «سيادية» شكلية (عسكر، رأسمالية وطنية طفيلية، نيوليبرالية أمنية).
خامسًا: السودان بوصفه حالة اختبار تاريخية
الفقرة الخاصة بالسودان تشكّل جسرًا مهمًا بين التحليل العالمي والواقع المحلي. غير أن أهميتها لا تكمن فقط في كون السودان «ضحية» للنظام الإمبريالي، بل في كونه ساحة مكثفة لأزمة هذا النظام:
تفكك الدولة،
تطييف الاقتصاد،
عسكرة التبعية،
وصناعة نخب وسيطة بلا مشروع وطني.
هنا يمكن القول إن السودان ليس على هامش الأزمة العالمية، بل في قلب تناقضاتها، وأن الصراع فيه هو تعبير طرفي عن أزمة المركز، لا مجرد فشل داخلي.
خلاصة نقدية
المقال نصّ قوي، متماسك، ومشحون بكثافة نظرية محسوبة. ميزته الأساسية أنه لا يكتفي بإعلان «نهاية الهيمنة»، بل يضع هذا الإعلان في سياقه البنيوي والتاريخي، ويحذّر من القراءات التبسيطية أو التفاؤل الساذج. وإذا كان ثمة ما يمكن تعزيزه، فهو الانتقال من توصيف الأزمة إلى طرح أسئلة أوضح حول شروط الفعل السياسي المنظم في الأطراف:
من هي القوى القادرة؟
ما طبيعة التحالفات الطبقية الممكنة؟
وكيف يُبنى مشروع فك ارتباط فعلي لا شعاري؟
في المحصلة، النص لا يقدّم نبوءة، بل تشخيصًا تاريخيًا دقيقًا: الإمبريالية لم تعد قادرة على قيادة العالم، لكنها لا تزال قادرة على تدميره. وما بين العجز والقدرة، يُفتح طور جديد من الصراع، لن يُحسم بالأخلاق ولا بالإصلاح، بل بالفعل السياسي والتنظيمي الواعي.
—
[1/22, 20:09] Sidahmed M Elboshra: تصدّع الإمبريالية واقتصاد الحرب والرأسمالية الطفيلية في السودان
إذا كان خطاب مارك كارني في دافوس، كما يبيّن المقال، يمثل اعترافًا من داخل المركز الإمبريالي بأزمة النظام العالمي، فإن الحالة السودانية تكشف الوجه العاري لهذه الأزمة في الأطراف: حيث لا تتجلى الإمبريالية في صورة مؤسسات وقواعد وقيم، بل في شكل اقتصاد حرب، تفكك دولة، ورأسمالية طفيلية مسلّحة.
في السودان، لم تعد التبعية تُدار عبر أدوات «التنمية» أو «الإصلاح المؤسسي»، بل عبر إعادة إنتاج العنف كآلية تراكم. وهذا ما يجعل السودان نموذجًا مكثفًا لما وصفه ديفيد هارفي بـ«التراكم عبر النزع»، لكن بصيغته الأقصى: نزع الأرض، نزع العمل، نزع الدولة نفسها، وتحويل الحرب إلى نمط إنتاج.
اقتصاد الحرب: حين تصبح الفوضى وظيفة اقتصادية
اقتصاد الحرب في السودان ليس عرضًا جانبيًا للصراع، بل بنيته العميقة. فالحرب لم تُدمّر الاقتصاد فحسب، بل أعادت تشكيله على أسس جديدة:
السيطرة على الذهب،
شبكات التهريب العابرة للحدود،
تحويل المساعدات الإنسانية إلى مورد سياسي،
وتفكيك ما تبقى من الاقتصاد الإنتاجي لصالح اقتصاد ريعي-عسكري.
هذا النمط لا يمكن فهمه خارج السياق الإمبريالي العالمي، حيث يُترك الطرف لينزف، لا لأن المركز غافل، بل لأن الفوضى نفسها أصبحت قابلة للإدارة والاستثمار. هنا يتقاطع السودان مع ما يسميه سمير أمين «إدارة التخلف»، حيث لا يُراد للطرف أن ينهض، بل أن يبقى في حالة هشاشة دائمة تسمح بتدفق الموارد دون كلفة سياسية مباشرة.
الرأسمالية الطفيلية: تحالف السلاح والوساطة
الرأسمالية الطفيلية في السودان ليست «انحرافًا» عن الرأسمالية، بل هي شكلها الطرفي المحدد تاريخيًا. إنها رأسمالية بلا إنتاج، بلا صناعة، بلا زراعة حديثة، تقوم على:
الوساطة بين السوق العالمي والموارد المحلية،
الريع (ذهب، أرض، مساعدات)،
وتحالف عضوي مع الأجهزة المسلحة.
هذه الطبقة لم تنشأ ضد الدولة، بل عبر اختطافها. وهي، بعكس البرجوازية الكلاسيكية، لا تحتاج إلى الاستقرار، بل تعيش على اللا-استقرار. لذلك فهي موضوعيًا معادية لأي مشروع ديمقراطي أو تنموي، حتى لو رفعت شعارات «السيادة» أو «الوطنية».
وهنا تتجلى أطروحة غرامشي حول «الهيمنة السلبية»: حيث تحكم طبقة لا تملك مشروعًا تاريخيًا، بل مجرد قدرة على التعطيل. وهذا ما يفسر لماذا فشلت كل الانتقالات السياسية: لأن البنية الاقتصادية-الاجتماعية التي تنتج السلطة لم تُمس.
الإمبريالية والأطراف: من الهيمنة إلى التفويض بالعنف
في المرحلة السابقة، كانت الإمبريالية تمارس هيمنتها عبر النخب المدنية، القروض، برامج الإصلاح. أما اليوم، وفي ظل أزمة المركز، فإنها تميل إلى تفويض العنف بدل إدارته مباشرة. لا حاجة لبناء دولة وظيفية، يكفي وجود فاعلين محليين قادرين على ضبط الموارد ومنع تشكّل مشروع وطني مستقل.
من هذا المنظور، لا تُفهم الحرب في السودان بوصفها «صراعًا داخليًا» أو «فشل دولة»، بل بوصفها شكلًا طرفيًا من أشكال أزمة النظام العالمي ذاته، حيث لم يعد المركز قادرًا على فرض نموذج مستقر، فاكتفى بإدارة الانهيار.
الإمكان التاريخي وحدوده
كما يشير المقال بدقة، فإن تصدّع المركز لا يفتح تلقائيًا أفق التحرر. في السودان، الإمكان الموضوعي قائم:
انهيار شرعية النخب التابعة،
انكشاف وهم «الإنقاذ الدولي»،
وتعرّي الطابع الطبقي للحرب.
لكن الإمكان لا يتحول إلى واقع دون قوة اجتماعية منظمة تمتلك برنامجًا بديلاً:
برنامج يفكك اقتصاد الحرب،
ينهي تحالف السلاح والريع،
ويعيد بناء الدولة كأداة للتنمية لا كغنيمة.
وهنا تصبح مهمة اليسار والقوى الديمقراطية ليست فقط إسقاط أنظمة أو إدانة الإمبريالية، بل بناء كتلة تاريخية جديدة، كما قال غرامشي، قادرة على تحويل الأزمة العالمية إلى فرصة تحرر وطني-اجتماعي.
خلاصة
إذا كان خطاب دافوس وثيقة انهيار أيديولوجي للإمبريالية من داخلها، فإن السودان هو وثيقة انهيارها المادي في الأطراف. لكنه في الوقت ذاته مختبر مفتوح لإمكانية التجاوز:
تجاوز اقتصاد الحرب،
تجاوز الرأسمالية الطفيلية،
وتجاوز التبعية بوصفها قدرًا.
غير أن التاريخ لا يمنح فرصه مرتين. فإما أن تُلتقط الأزمة كمجال للفعل الثوري المنظم، أو تُترك لتعيد إنتاج نفسها في شكل فوضى أطول، أعنف، وأكثر تدميرًا.

زر الذهاب إلى الأعلى