الأعمدة

” لا رؤية هنا.. بل مخرج طوارئ من مأزق صنعه فساد الاتحاد بيده “

كتب: معاوية أبوالريش
مدخل
يحرص كثيرون، من باب حسن الظن، على وصف ما طرحه أسامة عطا المنان، النائب الأول لرئيس الاتحاد السوداني لكرة القدم، بأنه “رؤية” لتطوير الدوري الممتاز. لكن الوصف الدقيق لما جرى ليس رؤية بأي معنى من المعاني، بل محاولة خروج من مأزق صنعه الاتحاد بيده، نتيجة فساد مؤسسي وتلاعب باللوائح لصالح أندية بعينها على حساب أخرى. الفارق بين الاثنين جوهري: الرؤية تبدأ من تشخيص علمي لواقع اللعبة وتنتهي بخطة، أما المخرج الاضطراري فيبدأ من أزمة إدارية عاجلة، ثم يبحث لاحقاً عن غلاف فني يبرره أمام الرأي العام. وما جرى في الدوري السوداني هذا الموسم أقرب تماماً إلى النموذج الثاني، وإن قُدّم للناس بلغة النموذج الأول. والأخطر من ذلك أن هذا المقترح، لو طُبّق كما هو دون تفكيك جذوره الحقيقية، لن يكون خطوة نحو نهضة الكرة السودانية كما يُروَّج له، بل خطوة نحو تدميرها بمعناها البنيوي: تدمير مبدأ التنافسية، وتدمير الثقة في نزاهة الاتحاد، وتدمير الموارد الشحيحة أصلاً عبر توزيعها على عدد من الأندية يفوق طاقة البلاد الحالية. وما يلي هو تفكيك هذه الفكرة خطوة خطوة، بدءاً من جذورها الأولى.
أولاً: لا رؤية هنا.. بل تبرير لاحق لقرار إداري متعثر
نقطة البداية ليست افتراضية، بل موسم كامل، وجدل قانوني وإداري حول إلغاء الهبوط، تحوّل بحسب متابعين إلى انعكاس لصراع نفوذ داخل أروقة الاتحاد نفسه. من رحم هذا الجدل، لا من طاولة بحث فني ولا من دراسة تبدأ من احتياج اللاعب، جاء القرار: اعتماد عدم هبوط أي نادٍ من الموسم الماضي، وضم أندية الدوري التأهيلي دفعة واحدة، ليصل عدد المشاركين في النسخة الجديدة إلى خمسة وعشرين نادياً كخطوة أولى نحو الأربعين. وهذا الترتيب الزمني للأحداث هو المفتاح لفهم حقيقة ما يجري: لم يُقرَّر أولاً أن اللاعب السوداني يحتاج توسعة، ثم صُمم نظام لتحقيق ذلك. بل حدث العكس تماماً، اتُّخذ قرار إداري لإرضاء أندية كانت مهددة بالهبوط، ولتفادي مواجهة قانونية كان الاتحاد نفسه طرفاً فيها بسبب تلاعبه باللوائح، ثم بحث لاحقاً عن مبرر فني يُلبسه ثوب “التطوير” وما يُقدَّم اليوم بوصفه “رؤية أسامة عطا المنان” هو في جوهره إعادة تسمية لأزمة، لا حل لها. وإذا كانت هذه هي البداية الحقيقية للقصة، فإن السؤال الطبيعي التالي هو: هل الجهة التي أنتجت هذه الأزمة قادرة أصلاً على إدارة حلها؟
ثانياً: مأزق الاتحاد نفسه لا يزال قائماً
الوقائع تقول إن لا. فالاتحاد السوداني لكرة القدم يواجه في الفترة نفسها شكوى رسمية أمام لجنة الأخلاقيات المستقلة بالفيفا تضعه تحت طائلة تجميد محتمل للنشاط، وطعوناً أمام محكمة التحكيم الرياضي الدولي تطال شرعية الجمعية العمومية والانتخابات التي جرت، إضافة إلى نزاعات متكررة مع أندية بشأن تسجيل اللاعبين ومستحقاتهم المالية. اتحاد يغرق في هذا الكم من الملفات القانونية والإدارية المفتوحة، وسبق أن تلاعب بلوائحه لصالح أطراف بعينها، ليس في أفضل موقع لإدارة توسعة بهذا الحجم، ولا لضمان معايير ترخيص صارمة ومتساوية بين خمسين نادياً يُفترض أن تشارك جميعها لاحقاً. فكيف يُؤتمن على تطبيق العدالة بين خمسين نادياً من لم يستطع بعد إثبات نزاهة إدارة خمسة وعشرين؟ وأمام هذا العجز الإداري، يلجأ أصحاب الفكرة إلى سند خارجي يمنحها غطاءً فنياً، هو التجربة الليبية، فهل يصمد هذا السند فعلاً؟
ثالثاً: التجربة الليبية.. مقارنة غير مكتملة
الإجابة لا تبدو مطمئنة. ففي ليبيا، فرض الانقسام الفعلي بين حكومتين نظام المجموعات كضرورة أمنية لا خيار فني، وواجهت التجربة نفسها أزمات متكررة في اكتمال المواسم، وتأجيل النهائيات، وصعوبة إقامة مباريات الذهاب والإياب بين المناطق حتى داخل نظام المجموعات نفسه، أي أن النموذج المُستشهد به لم يكن قصة نجاح خالصة، بل حلاً اضطرارياً رافقته إشكالات بنيوية طوال سنوات. كما أن نقل هذا النموذج إلى السودان يفترض ضمناً أن الظروف الأمنية والإدارية واللوجستية مماثلة، بينما الواقع أن غالبية الولايات الآمنة تعاني أصلاً من نقص حاد في الملاعب المؤهلة دولياً والبنية التحتية الرياضية، بصرف النظر عن عامل الأمن، فالمشكلة في السودان أوسع من الحرب وحدها. والأخطر أن أي نموذج “مؤقت”، إن لم توضع له سقوف زمنية وآليات عودة واضحة، يتحول مع الوقت إلى نموذج دائم بحكم الأمر الواقع، ببساطة لأن الأندية التي استفادت من التوسعة وعدم الهبوط لن تكون متحمسة للتراجع عنه لاحقاً. وحتى لو تجاوزنا إشكالية هذا النموذج المستعار، يبقى عائق أكثر مادية وصعوبة في التذليل بانتظارنا: الملاعب نفسها.
رابعاً: عقبة البنية التحتية لا تُختصر بالإرادة
فالسودان يعاني أصلاً، حتى قبل الحرب، من محدودية عدد الملاعب المؤهلة لاستضافة مباريات دوري ممتاز بمعايير مقبولة، فضلاً عن الإنارة والمرافق الطبية وأنظمة البث. وتوسعة العدد إلى أربعين نادياً تعني عملياً مضاعفة الطلب على ملاعب وأطقم طبية لا تكفي أصلاً للعدد الحالي، فبدون خطة استثمار موازية وحقيقية في البنية التحتية، يتحول الرقم الكبير من الأندية إلى عبء لوجستي يوزّع الموارد الشحيحة على مساحة أوسع، بدل أن يرفع مستوى المنافسة كما هو مأمول منه، وهذا بالضبط أحد الأبواب التي تُدخل الكرة السودانية من التطوير المزعوم إلى التآكل الفعلي. وإلى جانب الملاعب، هناك حلقة أخرى غائبة تماماً عن النقاش العام، وهي الكوادر التي ستدير كل هذه المباريات الإضافية.
خامساً: التحكيم.. الحلقة الأضعف التي لا يتحدث عنها أحد
فمن أين ستأتي أطقم التحكيم المؤهلة لإدارة هذا الكم الإضافي من اللقاءات؟ جودة التحكيم في الدوري السوداني كانت أصلاً موضع انتقاد متكرر من الأندية والجماهير، حتى في ظل العدد الحالي من الفرق والمباريات، وتوسعة الدوري دون برنامج موازٍ لتأهيل حكام جدد ورفع كفاءة الحاليين يعني ببساطة توزيع الأخطاء التحكيمية نفسها على عدد أكبر من المباريات، لا تقليلها أو معالجتها. وبعد كل هذه العقبات الفنية، يبقى سؤال أكثر واقعية وإلحاحاً من كل ما سبق: من سيدفع ثمن هذا التوسع كله؟
سادساً: العجز المالي.. من يمول من؟
فالاتحاد السوداني لكرة القدم نفسه يواجه صعوبات مالية ونزاعات مستحقات مع بعض الأندية واللاعبين، ما يجعل من الصعب تصديق أن بإمكانه دعم منظومة من خمسين نادياً بمعايير ترخيص متساوية، أو تحمّل تبعات تنظيم مسابقة بهذا الاتساع من سفر وإقامة وتحكيم وبث. وعلى الجانب الآخر، كثير من الأندية المشاركة أصلاً تعاني من عجز في ميزانياتها، ولا قدرة حقيقية لها على تغطية تكاليف موسم يمتد لأربعين مباراة، فالنموذج، كما هو مطروح، يبني توسعة كبرى على قاعدة مالية هشة من الطرفين معاً، الاتحاد والأندية، وهو ما يجعل انهياره المالي مسألة وقت لا احتمال. وحين تُجمَع هذه العوامل كلها معاً، لا كل واحد منها على حدة، تتضح النتيجة الحقيقية المنتظرة من هذا المقترح.
سابعاً: تدمير لا نهضة.. هذه هي النتيجة الأقرب للواقع
فغياب النزاهة الإدارية، وضعف البنية التحتية، وهشاشة التحكيم، والعجز المالي المزدوج، لا تتراكم لتُنتج منافسة أقوى كما يُروَّج، بل تنتج نتيجة معاكسة تماماً. فهي تشتت الجمهور والاهتمام الإعلامي والرعاية التجارية على عدد أندية يفوق قدرة السوق الرياضي السوداني على استيعابه، ما يُضعف القيمة الاقتصادية للدوري ككل بدل أن يرفعها. وهي في الوقت نفسه تدفع نحو تراجع في المستوى الفني العام، لأن اللاعب الذي يخوض أربعين مباراة في ملاعب غير مؤهلة، أمام تحكيم ضعيف، وبإعداد بدني وطبي محدود، لن يتطور، بل سيتآكل جسدياً وفنياً على المدى المتوسط. كما تعمّق هذه العوامل مجتمعة الفجوة المالية بين الأندية الكبرى القادرة على تحمّل تكاليف السفر والإقامة، والأندية الصغيرة التي ستدخل المنافسة شكلياً فقط دون قدرة حقيقية عليها، فتتحول “التوسعة” إلى شكل جديد من التمييز بدل أن تحقق العدالة الموعودة. وفي النهاية، تفقد الجماهير والأندية ما تبقى من ثقتها بالاتحاد ذاته، حين تدرك أن “مشروع التطوير” لم يكن سوى غطاء لمشكلة إدارية لم تُحل. هذا المسار، إن استمر دون مراجعة، لا يقود إلى نهضة الكرة السودانية كما يُقال، بل إلى إنهاكها البنيوي: اتحاد أضعف نزاهةً، وأندية أثقل ديوناً، ولاعب أكثر إرهاقاً وأقل تطوراً.
الخلاصة
لا توجد هنا رؤية بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل محاولة خروج من مأزق صنعه الاتحاد السوداني لكرة القدم بيده، عبر فساد مؤسسي وتلاعب باللوائح لصالح أندية بعينها، ثم أُلبست هذه المحاولة لاحقاً ثوب “التطوير” و”خدمة المنتخب الوطني”. وحين تُقرأ التوسعة في سياقها الحقيقي، بعيداً عن الخطاب الرسمي، تظهر بوضوح أنها حل لأزمة أنتجها الاتحاد بنفسه، لا مشروع نهضة كما يُصوَّر. وما لم تُعالَج الجذور الحقيقية للمشكلة، بدءاً من النزاهة الإدارية، مروراً بالبنية التحتية والتحكيم، وانتهاءً بالتمويل، فإن تطبيق هذا المقترح كما هو لن يقود إلى تطوير كرة القدم السودانية، بل إلى ما هو أخطر: تفكيك ما تبقى من تماسكها، عبر توسعة شكلية تستهلك الموارد الشحيحة، وتُغرق الدوري في فوضى تنظيمية وتحكيمية ومالية، وتترك اللاعب السوداني، الذي يُفترض أنه محور المشروع كله، آخر من يستفيد منه.

زر الذهاب إلى الأعلى