
بقلم:- د.كمال محمد الامين عبدالسلام
أوردت الاستاذه المناضلة رحاب مبارك سيد أحمد اليوم في صفحتها واقعة جديرة بالتأمل والملاحظة في ماوصل له السودان من تردي في مؤسساته وبالذات الأمنية وذكرت أنه و في الخامس عشر من أبريل عام 2023، وبعد ساعات قليلة من اندلاع الحرب التي مزقت السودان، سلّم تسعة أفراد من قوات الدعم السريع أنفسهم للاستخبارات العسكرية في قطاع كسلا. كانوا يظنون – وهم محقون في ظنهم – أن تسليم أنفسهم طوعاً واعترافهم بتمرد قواتهم سيضعهم تحت حماية القانون. لكنهم لم يدركوا أن القانون نفسه أصبح يتيماً في وطن استبدلت فيه البندقية عصا القاضي.
رحلة طويلة نحو العدالة الموعودة
نُقل هؤلاء التسعة من سجن سواكن إلى السجن القومي ببورتسودان، حيث بدأت رحلة التحقيقات والمحاكمة. وفي يونيو 2025، أي بعد أكثر من عامين من احتجازهم، بدأت المحاكمة الفعلية أمام القاضي محمد سر الختم. استمرت الإجراءات ثمانية أشهر كاملة، ثمانية أشهر من الجلسات والمرافعات والشهادات، في محاكمة يُفترض أنها تجسّد سيادة القانون وتحمي حقوق المتهمين.
وفي نهاية هذه الرحلة الطويلة، أصدر القاضي حكمه: البراءة. براءة كاملة من كل التهم المنسوبة إليهم. لقد انتصر القانون، أو هكذا بدا الأمر للحظة عابرة.
عندما تنقلب الموازين
لكن ممثل الحق للاستخبارات العسكرية ( ….) لم يكن راضياً عن هذا الحكم. لم يكتفِ بالاعتراض الرسمي على القرار، بل تجاوز ذلك إلى تحدي القاضي داخل قاعة المحكمة نفسها – ذلك الفضاء المقدس الذي يُفترض أن تسود فيه هيبة القانون وحده. اتصل بالخلية الأمنية وأمرهم بالقبض على من حكمت المحكمة ببراءتهم.
وقف القاضي محمد سر الختم في وجه هذا الانتهاك الصارخ، مذكّراً الممثل بأنه لا يملك صلاحية كسر قرارات المحكمة، وبأن هؤلاء الرجال لن يُقبض عليهم. لكن ما قيمة كلمات قاضٍ أمام منطق البندقية؟
انتظرت الخلية الأمنية خارج المحكمة، وفور خروج المحكوم ببراءتهم في الثامن من فبراير 2026، قبضت عليهم وأودعتهم مبانيها. لا تهمة جديدة، لا بلاغ جنائي، لا مبرر قانوني. فقط قوة السلاح وإرادة من يحملونه.
البندقية بديلاً عن الدستور
ما حدث في ذلك اليوم ليس مجرد انتهاك لحكم قضائي، بل هو إعلان صريح بأن القوة المسلحة قد حلّت محل القانون في السودان. حين تستطيع جهة أمنية أن تلغي حكماً قضائياً بجرة قلم – أو بالأحرى بجرة بندقية – فإن كل المنظومة القانونية تصبح مجرد مسرحية هزلية. القاضي يصدر أحكامه، والمحامون يترافعون، والمتهمون ينتظرون العدالة، لكن الكلمة الأخيرة ليست للقانون، بل لمن يملك القوة.
تصف المحامية رحاب مبارك سيد أحمد ما حدث بعبارة لاذعة: “النصوص التشريعية التي يعمل بها القاضي محمد سر الختم فليمصوها ويشرب مويتها”. هذه العبارة القاسية تلخّص حجم المرارة والإحباط الذي يشعر به كل من يؤمن بالقانون في وطن أصبحت فيه البندقية هي الحَكَم الفصل.
جذور الأزمة
لكن ما حدث ليس وليد اللحظة. إنه تتويج لعقود من تآكل مؤسسات الدولة وتغوّل الأجهزة الأمنية والعسكرية على حساب السلطة القضائية. منذ أن امتطت الحركة الإسلامية صهوة السلطة في السودان عام 1989، بدأت عملية ممنهجة لتفكيك استقلال القضاء وإخضاعه للسلطة التنفيذية. أُنشئت محاكم خاصة، وعُيّن قضاة موالون، وأُعطيت الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة تجاوزت القانون.
والنتيجة؟ مؤسسات مشوهة فقدت ثقة المواطنين، ونظام قضائي أصبح – في أحسن الأحوال – ضعيفاً أمام سطوة الأجهزة الأمنية، وفي أسوأ الأحوال، أداة في يدها.
معنى سيادة القانون
سيادة القانون ليست شعاراً رنّاناً يُرفع في الخطب والمؤتمرات. إنها منظومة متكاملة تبدأ بدستور يحمي الحقوق والحريات، وتمر بسلطة تشريعية مستقلة تسنّ القوانين العادلة، وسلطة تنفيذية تلتزم بتطبيقها، وسلطة قضائية مستقلة تماماً تفصل في النزاعات وتحاسب المخالفين – بمن فيهم أصحاب السلطة أنفسهم.
حين تنهار إحدى هذه الركائز، تنهار المنظومة كلها. وحين يصبح القاضي عاجزاً عن إنفاذ حكمه، وحين يُداس على قراره بأحذية الجنود، فإن الدولة تعود إلى ما قبل الدولة، إلى حالة الطبيعة التي وصفها توماس هوبز بأنها “حرب الكل ضد الكل”.
ثمن انهيار العدالة
المتضرر الأول من هذا الانهيار ليس التسعة الذين اعتُقلوا ظلماً – رغم فداحة ما حدث لهم – بل كل مواطن سوداني. حين يرى المواطن أن المحكمة عاجزة عن حمايته، فإنه يفقد الثقة في الدولة كلها. وحين تفقد الدولة ثقة مواطنيها، فإنها تفقد شرعيتها، ويصبح كل فرد يبحث عن حمايته بنفسه، إما بالخضوع للأقوى، أو بالبحث عن قوة يحتمي بها.
هذا بالضبط ما يحدث في السودان اليوم. حرب ضروس بين فصائل عسكرية، كل منها يدّعي أنه يمثل الشرعية، وكل منها يستخدم القوة لفرض إرادته. والمواطن العادي؟ هو الضحية الدائمة في هذا الصراع المدمر.
هل من أمل؟
قد يبدو المشهد قاتماً، والأمل ضئيلاً. لكن التاريخ يعلّمنا أن المجتمعات قادرة على النهوض من تحت الركام. ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، رواندا بعد الإبادة الجماعية، جنوب أفريقيا بعد الأبارتهايد – كلها أمثلة على مجتمعات استطاعت أن تبني أنظمة قانونية عادلة ومؤسسات قوية بعد فترات من الدمار والظلم.
لكن إعادة بناء سيادة القانون تتطلب إرادة سياسية حقيقية، ومصالحة وطنية شاملة، ومحاسبة عادلة لكل من انتهك القانون – سواء كان يرتدي زي القاضي أو زي الجندي. تتطلب إصلاحاً جذرياً لمؤسسات الدولة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
الخلاصة :
لو كان غازي سليمان حيا لشهد علي أن ما يحدث في السودان ونبرته الساخرة: “فإن هؤلاء القوم قد أضاعوا ما بناه الأولون، ونقضوا ما أبرمه الحكماء، واستبدلوا بصوت العقل دويّ المدافع، وبنور العدالة ظلمة البنادق. وإنهم ليحسبون أنفسهم يحسنون صنعاً، وما يدرون أنهم إنما يهدمون بيوتهم بأيديهم، ويحفرون قبورهم بظلمهم”.
دعوة للتأمل والعمل
قضية التسعة الذين حكمت المحكمة ببراءتهم ثم اختطفتهم الخلية الأمنية ليست مجرد قصة محزنة في سجل مظالم طويل. إنها رمز لأزمة أعمق، أزمة دولة فقدت بوصلتها، ومجتمع يبحث عن خلاصه.
المحامية رحاب مبارك سيد أحمد حين وثّقت هذه القضية، لم تكن تسجل واقعة فقط، بل كانت تطلق صرخة تحذير: انتبهوا، فالقانون يحتضر، والعدالة تلفظ أنفاسها الأخيرة. وإن لم نتحرك الآن، فسنستيقظ غداً في غابة لا يحكمها إلا منطق الأقوى.
السؤال الذي يجب أن يطرحه كل سوداني على نفسه: هل أريد أن أعيش في دولة يحميني فيها القانون، أم في غابة أكون فيها فريسة لمن يملك البندقية؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مصير السودان للأجيال القادمة.
“إن الأمم لا تُبنى بالبنادق، بل بالعدالة. والعدالة لا تقوم إلا بقضاء مستقل، وقانون يُحترم، ومؤسسات تخدم المواطن لا تستعبده.”
تحياتي



