بين التصفيق للعائدين، وصمت الضحايا، يقف السودان أمام سؤالٍ لا يحتمل المراوغة: هل نحن بصدد صناعة سلامٍ حقيقي… أم مجرد تأجيلٍ لانفجارٍ قادم؟
لم تعد عودة القادة العسكريين إلى صفوف الدولة مجرد خبرٍ عابر، بل تحوّلت إلى اختبارٍ صريح لطبيعة السلام الذي يُراد له أن يتشكل في السودان. فمع كل عودةٍ جديدة—من أبو عاقلة كيكل إلى النور قبة—يتسع الجدل، لا حول الأشخاص، بل حول المعايير.
السلطة ترى في هذه العودة مكسبًا عسكريًا، وخطوةً نحو تقليص رقعة الحرب. أنصارها يصفقون باعتبارها حقنًا لدماءٍ قادمة. لكن في الجهة الأخرى، يقف سؤال العدالة صامتًا، وثقيلًا، ومؤجلًا.
التجارب الدولية لم تترك هذا السؤال مفتوحًا.
في جنوب أفريقيا، لم يكن العفو قرارًا مجانيًا، بل مشروطًا بكشف الحقيقة عبر لجنة الحقيقة والمصالحة.
وفي رواندا، جاءت المصالحة متزامنة مع محاسبةٍ واسعة عبر محاكم الغاتشاتشا.
أما كولومبيا، فقد ربطت عودة القوات المسلحة الثورية الكولومبية باتفاقٍ دقيق يقوم على نزع السلاح وإعادة التأهيل والعدالة الانتقالية.
في كل تلك النماذج، لم تكن العودة خطوةً منفصلة، بل جزءًا من منظومةٍ واضحة المعالم.
أما في السودان، فتبدو العودة—حتى الآن—أقرب إلى قرارٍ تكتيكي، لا رؤية استراتيجية.
القول بإسقاط الحق العام، وترك الخاص لأصحابه، يطرح إشكالًا عميقًا:
كيف يمارس الضحية حقه في بيئةٍ يظل فيها الجاني قريبًا من السلطة، ومحاطًا بحاجتها إليه؟
ثم إن إدماج هذه القوى داخل المدن، دون مسارٍ واضح لإعادة التأهيل أو ضماناتٍ للسلوك المستقبلي، يفتح الباب أمام احتكاكاتٍ خطرة بين ذاكرةٍ مثقلة بالجراح، وواقعٍ لم يُحسم بعد.
المعضلة هنا ليست في قبول العودة، بل في تعريفها:
هل هي مصالحة؟ أم إعادة تموضع؟
هل هي بداية نهاية الحرب؟ أم إعادة ترتيبٍ لجولةٍ قادمة؟
السودان لا تنقصه النماذج، بل ينقصه القرار:
إما أن يختار مسارًا واضحًا—عفوًا مشروطًا بالحقيقة، أو عدالةً انتقالية متدرجة—
أو يظل معلقًا في منطقةٍ رمادية، تُكسبه هدوءًا مؤقتًا، وتخسرُه استقرارًا دائمًا.
في النهاية، ليست القضية من يعود،
بل إلى ماذا يعود.
فالدولة التي لا تُعيد تعريف وتحديد جهات تملك العنف المشروعة ..لن تنجح في توظيفه لمصلحة الوطن بل هي تؤطر بكل أسف لإعادة إنتاجه من باب الفوضى الواسع !



