والتاريخ، حين يُكتب، لن يفرّق بين من أشعل النار… ومن صفق لها… ومن صمت، ولنا في النيران المشتعلة الآن عظة
بقدر ما حاولت أن أتجاهل الحملات التحريضية التي تعصف بوسائل التواصل الاجتماعي، وتدفع نحو إشعال حربٍ داخل الحرب الحالية ، لم أستطع. فهذه الحملات لم تعد أصواتًا هامشية، بل تحولت إلى سيلٍ جارف يزداد اشتعالًا كل ساعة، وكأن هناك من يصرّ على جرّ البلاد إلى هاويةٍ أعمق من التي هي فيها.
ولكل طرفٍ دوافعه… لكن النتيجة واحدة: المزيد من الخراب.
ومن خلال المتابعة، يمكن تمييز ثلاث فئات رئيسية تقود هذا الجنون:
أولًا، غرف المؤتمر الوطني التي لم تتعلم شيئًا، ولا تزال تتغذى على الفوضى وتتنفس من رماد الأزمات.
ثانيًا، أنصار الدعم السريع، المنخرطون في التحريض بشكلٍ مباشر وصريح، بلا مواربة ولا خجل.
ثالثًا، العنصريون من كل الأطراف، الذين لا يرون في هذا الوطن إلا ساحةً لتصفية الأحقاد.
وفي المقابل، تقف القوى المدنية في موقع المتفرج. صمتٌ ثقيل، ومواقف باهتة، واكتفاء بالدعاء: “اللهم سلّم السودان وأهله”، لكن الأوطان لا تُنقذ بالأدعية وحدها، ولا تُحمى بالصمت.
هذا الصمت لم يعد حيادًا… بل صار عجزًا، وربما يرقى آلى التواطؤ.
على القوى المدنية أن تدرك أن اللحظة لا تحتمل التردد ولا المواقف الرمادية فإما أن ترفع صوتها الآن، بوضوحٍ وشجاعة، وتتصدى لكل دعوةٍ نحو الاحتراب، أو أن تتحمل مسؤولية تاريخية عن كل ما سيحدث لاحقًا… فهم من نراهن عليهم في زمن الجنون هذا.
أما منسوبو الحركة الإسلامية الذين ما زالوا يراهنون على الفوضى، فالحقيقة المؤلمة أنهم لم يستوعبوا شيئًا. ثلاث سنوات من الدم لم تكن كافية ليعيدوا النظر كرتين حتى يعود لهم خاسئا وهو حسير، عوقبت معظم قيادتهم لم يتعظوا صنفوا من أمريكا كارهاببن ولم يعد لهم رشدهم شنقوا مستقبلهم السياسي بايادهم، ولا يزالون يظنون أن خراب البلاد يمكن أن يكون طريقًا للعودة، غير مدركين أن من يزرع الخراب لن يحصد إلا العزلة والرفض.
ولأنصار الدعم السريع نقول بوضوح: الحرب التي يُروَّج لها لن تكون حربًا محدودة بين الجيش والمشتركة يمكن التحكم فيها، بل ستنفتح على مصراعيها لتصبح حرب الجميع ضد الجميع؛ وعندها، لن تكونوا بمنأى عنها، ولن ينجو أحد من نيرانها وقديما قالوا البيبيع البيض ما يلعب بالحجارة.
أما العنصريين، في كل اتجاه، فهم الوجه الأكثر ظلامًا في هذه المأساة. لا مشروع لهم سوى تمزيق ما تبقى، ولا لغة لهم سوى الكراهية. وهؤلاء لا يبنون وطنًا، بل يسرّعون دفنه.
السودان لم يعد يحتمل مغامرات جديدة.
لم يعد يحتمل أصواتًا تشتهي الحرب وكأنها نصر.
لم يعد يحتمل صامتين يراقبون الانهيار وكأنه قدر.
إما أن نوقف هذا الجنون الآن… أو نكون جميعًا شركاء في نهايته.
والتاريخ، حين يُكتب، لن يفرّق بين من أشعل النار… ومن صفق لها… ومن صمت، ولنا في النيران المشتعلة الآن عظة



