
—–
أسامة كنينة
الاحد ١٧ مايو ٢٠٢٦
———
٧٠ عاماً من الحروب السودانية تُثبت قانوناً عسكرياً صارماً: كل بندقية تشتريها الدولة اليوم لضرب متمرد، هي ذاتها التي ستُصوب نحو صدرها غداً! تشريح تاريخي لـ”عقيدة المسكنات الأمنية” التي يربح بها الجيش معركة تكتيكية ويخسر بها الدولة برمتها، وكيف يتحول “القادة المنشقون” من صناع تاريخ في الميدان إلى صفحات مطوية في أرشيف الاتفاقيات المنسية.
من يقرأ دفاتر الحروب الأهلية في السودان منذ الاستقلال، يلحظ بوضوح وجود “خيط ناظم” يربط بين جميع خطط العمليات العسكرية والأمنية للدولة. هذا الخيط ليس كثافة النيران، بل هو “إستراتيجية تفكيك الخصوم من الداخل”.
على مدى عقود، نجحت الدولة — بأنظمتها العسكرية الشمولية وحكوماتها المدنية الديمقراطية على حد سواء — في هندسة انشقاقات تاريخية ومفصلية في صفوف حركات الكفاح المسلح وقوى التمرد؛ مستفيدة من الوعود السياسية، الرتب العسكرية، واستغلال التناقضات القبلية والأيديولوجية. لكن استقراء أنماط التاريخ ونتائجها على الأرض، يكشف أن هذه الإستراتيجية تحولت مع الوقت من “تكتيك ذكي” إلى “عقيدة دولة عقيمة” صارت بمثابة مسكّنات موضعية تواطأ الجميع في استخدامها، لتُعمي صانع القرار عن الكوارث الاستراتيجية القادمة.
جرد الحساب التاريخي:
جذور التشظي من التأسيس إلى حرب العاصمة
عند تتبع هذه الانشقاقات، يتبين أن هذه العقيدة الأمنية ليست وليدة حقبة سياسية معينة، بل هي منهج متجذّر بدأ منذ خمسينيات القرن الماضي، وتطور عبر كافة الأنظمة الحاكمة:
* مرحلة التأسيس وتدجين السلاح (1955 – 1989):
واجهت الدولة أول تمرد عسكري جنوبي (حركة الأنيانيا 1)، واعتمدت الحكومات الديمقراطية الأولى ونظام الفريق إبراهيم عبود على استقطاب القادة الجنوبيين عبر تقديم وعود بمناصب وزارية وإدارية في الخرطوم (مثل سانتينو دينق وتعبئة فصائل قبلية ضد التمرد الرئيسي).
وتكرر الأمر في حقبة جعفر نميري؛ إذ تُمثل “اتفاقية أديس أبابا” (1972) واستقطاب قائد التمرد الضارب جوزيف لاقو أكبر اختراق سياسي في تلك الحقبة وعُيّن بموجبها نائباً لرئيس الجمهورية. وفي الفترة الديمقراطية الثالثة (1985 – 1989)، حاولت حكومة الصادق المهدي شق صف الحركة الشعبية عبر دعم الفصائل الجنوبية المناهضة لجون قرنق (مثل حركة “أنيانيا 2”).
النتيجة الميدانية: كان السلام دائماً تكتيكياً ومؤقتاً؛ إذ تلاشت القوة العسكرية للمنشقين بمجرد صلحهم مع الخرطوم، واستمرت الحروب في الأحراش لتنفجر الحرب الأهلية الثانية عام 1983 بشكل أكثر دموية وعنفاً.
* مرحلة التفكيك الممنهج وتفريخ الفصائل (1989 – 2020):
هندست الدولة أكبر اختراق في تاريخ الحركة الشعبية عبر دعم “انشقاق ناصر” (1991) بقيادة ريك مشار، ولام أكول ضد جون قرنق. وتعمّق هذا الاختراق الاستراتيجي باستقطاب الفصيل المسلح للقائد البارز كاربينو كوانين بول (مطلق الرصاصة الأولى في تمرد 1983 والشريك المؤسس للجيش الشعبي)، وتُوّج هذا المسار بتوقيع “اتفاقية الخرطوم للسلام” (1997) ودمج تلك القوات عسكرياً تحت مسمى “قوات دفاع جنوب السودان”.
وفي جبهة دارفور والمنطقتين، تكرر السلوك ذاته؛ استقطاب مني أركو مناوي عبر “اتفاقية أبوجا” (2006)، وتفكيك حركة العدل والمساواة عبر فصيل بخيت دبجو (سلام الدوحة)، وصولاً لشرخ الحركة الشعبية – قطاع الشمال (2017) إلى فصيلي عقار والحلو.
النتيجة الميدانية: صفر حسم. تحول الجنوب ودارفور إلى مسارح لمجازر عرقية وحروب استنزاف بين الإخوة الأعداء، وتفرعت الحركة الواحدة إلى عشرة فصائل، واضطرت الدولة في النهاية للتفاوض مع الحركات الأم وتوقيع اتفاقيات كبرى (مثل نيفاشا 2005 وجوبا 2020).
* مرحلة الحرب الوجودية الحالية (2023 – 2026):
استمرت ذات العقلية في الحرب الدائرة حالياً عبر استقطاب منشقين ميدانيين من قوات الدعم السريع (مثل أبو عاقلة كيكل، والنور أحمد آدم “القُبّة”، وعلي رزق الله “السافنا”). ورغم المكاسب المعنوية والتكتيكية الآنية التي سهلت دخول بعض المناطق، إلا أن الحرب لم تتوقف وظلت الكتلة الصلبة للخصم نشطة ميدانياً.
مفارقة الديمقراطيات الثلاث:
الملائكية السياسية والغطاء المدني لحرب الوكالة
يكشف التاريخ عن مفارقة سياسية وعسكرية معقدة؛ فبمنأى عن الشموليات، كانت النخب الحاكمة في فترات الديمقراطيات الثلاث ترمي باللوم على المؤسسة العسكرية في إشعال الحروب أو تبني الحلول الأمنية، غير أن الوقائع تُثبت أن الدعم اللوجستي وتجنيد الفصائل المسلحة المنشقة كان يتم بقرار وميزانيات وغطاء سياسي كامل من الحكومات المدنية المتعاقبة؛ حيث كانت هذه الحكومات تستنزف المؤسسة العسكرية وتدفع بها إلى أتون حروب استقطابية، ثم تعود لتذرف “دموع تماسيح” سياسية على مآلات تلك الحروب وانهيار بنية الدولة.
في الديمقراطية الأولى (1956-1958)، وتحت قيادة رئيسي الوزراء إسماعيل الأزهري ثم عبد الله خليل، جرى التعامل مع آثار تمرد توريت عبر الاستقطاب القبلي المحدود للالتفاف على استحقاقات الحلول السياسية والوعود بالفيدرالية.
وفي الديمقراطية الثانية (1964-1969)، وتحت إدارة رؤساء الوزراء سر الختم الخليفة، ومحمد أحمد محجوب، والصادق المهدي، جرى توظيف التناقضات الإثنية والقبلية بتمويل حكومي كامل لتسليح مجموعات منشقة عن حركة “الأنيانيا 1” بهدف إنهاك وعزل الحركة الأم.
وبلغت هذه المفارقة ذروتها في الديمقراطية الثالثة (1985-1989)، حيث قامت حكومة رئيس الوزراء الصادق المهدي وحزب الأمة وكيان الأنصار بتبني وشرعنة حركة “الأنيانيا 2” المنشقة عسكرياً ومادياً لمواجهة جون قرنق، بالتوازي مع التأسيس لشرعنة تسليح قبائل التماس (المراحيل- الجنجويد).
توضح هذه الحِقَب أن القوى المدنية وظفت تاريخياً لغة “الملائكية السياسية”، مستغلة عجز الآلة العسكرية عن تحقيق حسم حقيقي عبر الاستقطاب لترمي اللوم كاملاً على عقلية العسكر، في حين أن الحكومات المدنية ورؤساء وزرائها هم من وضعوا اللبنات الأولى لشرعنة السلاح خارج إطار الدولة والاعتماد على حروب الوكالة المحلية.
الفخ الاستراتيجي:
تفكيك أسباب العقم العسكري والسياسي
إن تشريح هذه السلسلة الطويلة من الانشقاقات يبرز ثلاثة آثار هيكلية تبرهن كيف تدمر هذه السياسة بنية الدولة من حيث أرادت حمايتها:
1. وهم الحسم وانفصال الرأس عن القضية
المعادلة الثابتة في السودان هي أن الحركات المسلحة تولد من رحم قضايا وتهميش هيكلي، لا من رحم أشخاص. عندما تستقطب الدولة قائداً ما، تعتقد واهمة أنها سحبت البساط من تحت الحركة؛ لكن التجربة تُثبت أن القائد المنشق يخرج وحيداً مع مجموعة من المقربين، بينما تظل القواعد المقاتلة في الميدان متمسكة بمشروعها تحت قيادة جديدة تكون في الغالب أكثر راديكالية وتشدداً. لذا، فإن هذه الانشقاقات لا تملك تاريخياً أي سجل في تحقيق نصر ميداني حاسم أو وقف حرب.
2. معضلة “الترتيبات الأمنية” وإهانة العقيدة النظامية
الخطأ القاتل في صياغة اتفاقيات المنشقين يكمن في بند “الترتيبات الأمنية”؛ حيث يُمنح قادة التمرد رتباً عسكرية رفيعة (لواء، فريق) بجرة قلم دون أي تأهيل أكاديمي نظامي. هذا السلوك لا يُضعف المتمردين، بل ينخر في عظام الجيش النظامي ويحبط ضباطه الخريجين. والأخطر أن القوات المنشقة تُستوعب كـ”جيوش موازية” تحتفظ بولاء مزدوج (قبلي لقائدها، ومادي للدولة)، مما يحولها لاحقاً إلى أداة لابتزاز الدولة مالياً وسياسياً بالمهدد الأمني داخل المدن.
3. قانون الارتداد العسكري وصناعة الوحش
التاريخ السوداني يثبت قانوناً عسكرياً صارماً: كل بندقية تشتريها الدولة اليوم لضرب متمرد، هي البندقية ذاتها التي ستُصوب نحو صدر الدولة غداً. إن قوات الدعم السريع التي يقاتلها الجيش اليوم لم تكن سوى الامتداد التاريخي لشرعنة “المليشيات الموازية وحلفاء الميدان” التي اعتمدت عليها الدولة منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي لحسم حروب الوكالة السابقة (مثل الأنيانيا 2 وقوات دفاع جنوب السودان). إنها مأساة “صناعة الوحش” المتكررة التي انتهت بالانفجار داخل العاصمة.
المقصلة التاريخية والمآل الاستراتيجي:
تبدد القيادات وانتحار الدولة
تُثبت سبعة عقود من الصراع في السودان أن النتيجة الحتمية لهذه الانشقاقات هي المحو السياسي التام للقادة، والدمار الهيكلي للدولة. فبمجرد دخول القائد المنشق إلى ردهات القصور في الخرطوم، يسقط عنه لقب “المناضل الثوري” في نظر حاضنته وقواعده، ليتحول إلى مجرد “ديكور سياسي” ووظيفة هامشية ذات صلاحية أمنية مؤقتة؛ ولعل ذوبان جوزيف لاقو سياسياً في ردهات القصور، ومقتل كاربينو كوانين في الأحراش (1999) بعد ارتدادات عسكرية عنيفة، وعودة ريك مشار ومناوي اللاحقة لمربعات التمرد، واستقرار مالك عقار في منصب سيادي بينما الأرض ميدانياً بيد خصمه عبد العزيز الحلو، يبرهن كيف يخسر هؤلاء القادة تاريخهم ومستقبلهم مقابل غنائم الحاضر المؤقتة.
وعلى المدى الاستراتيجي، فإن الحروب لا تنتهي بشراء الولاءات أو تفخيخ حركات الخصوم، بل بتفكيك مظالم التهميش والهروب من المحاصصات المؤقتة. وطالما ظلت الدولة — بنخبها العسكرية الحاكمة وقواها المدنية الحزبية — تمنح الرتب العسكرية كـ”هدايا ترضية”، فستبقى هذه الانشقاقات مجرد مقصلة تعيد إنتاج نفسها؛ تلتهم تاريخ القادة، وتستنزف دماء الوطن في دائرة مفرغة لا تنتهي إلا بانهيار الدولة الشامل.
خلاصة القولإن المأزق الوجودي الذي وضعت فيه النخب السودانية — العسكرية منها والمدنية — الدولة ليس عجزاً في خطط المعارك، بل هو عقم في خطط بناء الوطن؛ حيث استسهل الجميع لعبة تفكيك الخصوم وشراء الولاءات بدلاً من مواجهة الأزمة الهيكلية. إن المخرج الوحيد من هذه الدائرة المفرغة لا يكمن في هندسة انشقاقات جديدة أو إعادة تدوير المحاصصات، بل في تفكيك عقيدة “الدولة المؤقتة”، وإعادة هيكلة مؤسساتها العسكرية والسياسية على أسس قومية صارمة، وتأسيس عقد اجتماعي جديد يضمن المواطنة الحقيقية والعدالة التنموية؛ وبدون هذا التغيير الجذري، ستبقى كل البنادق المستقطبة مشاريع تمرد مؤجلة تنتظر لحظة الانفجار القادم



