
محمد الفاتح حضرة
الحلقة الرابعة والأخيرة
🛑 ما هو التمكين الذي أراده الله لعباده؟!!
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ…﴾
(النور: 55)
📂 الجلسة الختامية
⚖️ القاضي: القرآن الكريم
📜 القانون: القرآن والسنة الصحيحة
في الحلقات السابقة حاولنا أن نقرأ مفهومًا من أكثر المفاهيم تداولًا في الفكر الإسلامي والسياسي، وهو التمكين.
بدأنا بالسؤال:
هل التمكين هو مجرد الوصول إلى السلطة؟
ثم سألنا:
من الذي يمنح التمكين؟
ثم وقفنا عند شروطه كما بينها القرآن الكريم.
واليوم، في هذه الجلسة الأخيرة، نحاول أن نجمع هذه الخيوط كلها في صورة واحدة.
لقد قادتنا آيات القرآن إلى نتيجة واضحة:
التمكين في القرآن ليس لقبًا سياسيًا، ولا شعارًا تنظيميًا، ولا برنامجًا حزبيًا، وإنما سنة من سنن الله، ووعدٌ إلهي مشروط، ومنهجٌ أخلاقي قبل أن يكون حالةً سياسية.
فالقرآن لم يجعل القوة معيارًا، ولم يجعل الغلبة دليلًا، ولم يجعل طول البقاء في السلطة علامة على رضا الله.
بل جعل الميزان شيئًا آخر تمامًا.
قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ…﴾ (النور: 55)
فالإيمان وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى عمل.
والعمل الصالح لا يبقى دعوى، بل تظهر آثاره في حياة الناس.
ولهذا وصف الله أهل التمكين بقوله:
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (الحج: 41)
ثم جاءت آيات أخرى تكمل الصورة:
فالعدل…
والإحسان…
وأداء الأمانات…
والوفاء بالعهود…
وحفظ الدماء…
وصيانة الأموال…
كلها ليست فضائل هامشية، وإنما هي من صميم المشروع القرآني في الحكم والإصلاح.
ولهذا كانت ثمرة التمكين التي ذكرها القرآن:
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: 55)
ولعل هنا يقع أكبر الخلط.
فكثير من الناس يظنون أن امتلاك القوة هو التمكين.
ويظنون أن من استطاع أن يسيطر على الحكم، أو يفرض سلطانه، أو يُخضع خصومه، فقد نال التمكين الذي وعد الله به.
لكن القرآن لا يقول ذلك.
فالقرآن يفرق بين امتلاك أسباب القوة وبين التمكين الذي يرضاه الله.
قد يمتلك الإنسان قوةً وسلطانًا، لكن ذلك وحده لا يجعله داخلًا في وعد الله بالتمكين.
لأن التمكين في القرآن لا يُقاس بحجم السلطة، وإنما بما تُنتجه تلك السلطة من عدلٍ وإصلاحٍ ورحمةٍ وأمن.
ولهذا فإن القرآن لا يدعونا إلى الانبهار بالقوة، وإنما يدعونا إلى التأمل في آثارها.
فإذا كانت القوة تُستعمل في إقامة الحق، وحفظ الحقوق، ونشر الأمن، وصيانة كرامة الإنسان، كانت أقرب إلى مقاصد التمكين.
أما إذا تحولت إلى وسيلة للظلم، أو الفساد، أو الاعتداء على الحقوق، فإن القرآن يجعل تلك الأفعال محل محاسبة، لا محل تزكية.
ومن هنا يتبين الفرق بين التسلط والتمكين.
التسلط قد يفرض نفسه بالقوة.
أما التمكين فلا يمنحه إلا الله.
قال تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 26)
فالملك كله لله.
والسلطة أمانة.
والتمكين وعدٌ من الله، لا شهادة يمنحها الناس لأنفسهم.
⚖️ كلمة المحكمة الأخيرة
لقد حاولت هذه السلسلة أن تعود بالمصطلح إلى مصدره الأول: القرآن الكريم.
ولم يكن مقصدها أن تغلق باب النقاش، بل أن تفتحه.
ولم يكن هدفها أن تقدم أحكامًا نهائية، بل أن تقدم ميزانًا يمكن أن يحتكم إليه كل مسلم وهو يقرأ التاريخ، أو ينظر في واقع الأمم، أو يتأمل في أي تجربة حكم.
فالقرآن هو الحكم…
والسنة هي البيان…
أما البشر، فكلهم يجتهدون، ويصيبون ويخطئون، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ.
🛑 دعوة للتدبر
وأدعو كل قارئ إلى أن يعيد قراءة آيات التمكين بنفسه..
وأن يرجع إلى كتب التفسير المعتبرة.
وأن يتأمل في السنن التي ذكرها الله في الاستخلاف والملك والعدل والإصلاح.
فالقضية ليست قضية مصطلح سياسي، وإنما قضية فهمٍ لسنن الله في الأرض.
ولعل أعظم ما خرجتُ به من هذه الرحلة هو أن التمكين الحقيقي لا يبدأ من القصور، ولا من الجيوش ، ولا من خزائن الأموال، ولا بإستخدام القمع والقهر..
🫵وإنما يبدأ التمكين وينشأ من بعد إقامة الإيمان في القلب، والعدل في الحكم، والأمانة في المسؤولية، والإصلاح في الأرض..
فإذا تحققت هذه المعاني، كان ذلك أقرب إلى التمكين الذي وعد الله به عباده.
وإذا غابت تلك الأخلاق والصفات ، فيصبح التمكين مجرد سلطة بشرية مستبدة قاهرة للآخرين ظلماً و عدواناً ، وبالتالي تخضع لما تخضع له كل تجارب البشر من نجاح وإخفاق، ومن محاسبة في الدنيا، ثم بين يدي الله يوم القيامة ‼️
نسأل الله أن يبصرنا بكتابه، وأن يجعلنا من أهل العدل والإصلاح، وأن يرزق أمتنا حكمةً تهديها إلى الحق، ورحمةً تجمع بها القلوب، وعدلًا تُصان به الحقوق.
✍️ محمد الفاتح حضرة



