الأعمدة

*ذكري فضّ الاعتصام:نفسيه السلطة حين تخاف المجتمع المستقبل الأكثر استقراراً وعدالة*:

✍️اسماعيل ع. مشوي-
*قبل أن نتحدث عن فضّ الاعتصام، يجدر بنا أن نتأمل سؤالاً أساسياً كثيراً ما يتم تجاهله هل كان أي عضو في اللجنة الأمنية قادراً، في ظل الظروف التي كانت سائدة آنذاك،على مواجهة عمر البشير أو مطالبته بالتنحي لولا الضغط الشعبي الذي صنعه الاعتصام*؟
*وهل كان من الممكن لضابط داخل المؤسسة العسكرية أن يراجع قرارات أصحاب النفوذ أو يعترض عليها دون أن يواجه عواقب قاسية؟ لقد كانت بنية السلطة في تلك المرحلة قائمة على مركزية شديدة جعلت الاعتراض أمراً بالغ الصعوبة، ورسخت ثقافة ترى في الطاعة طريقاً للاستمرار وفي المخالفة مخاطرة كبيرة*.
*جاء الاعتصام بوصفه لحظة فارقة أعادت تشكيل العلاقة بين المجتمع والسلطة. فلم يكن تأثيره سياسياً فحسب، بل امتد إلى الوعي العام، حيث منح قطاعات واسعة من المواطنين شعوراً بالقدرة على التأثير والمشاركة في صناعة المستقبل. كما أوجد مناخاً جديداً شجع مؤسسات الدولة المختلفة على التعامل مع واقع سياسي متغير فرضته الإرادة الشعبية*.
*ومن زاوية أخرى، فإن الاعتصام وفر مساحة غير مسبوقة للتعبير عن المطالب الوطنية، وأصبح رمزاً لتطلعات السودانيين نحو التغيير. وقد أسهم هذا الحراك في خلق واقع جديد دفع العديد من الفاعلين السياسيين والمؤسسات الرسمية إلى إعادة النظر في مواقفها وحساباتها، استجابةً للتحولات التي شهدها الشارع*.
*لكن التجارب السياسية كثيراً ما تكشف عن تعقيدات العلاقة بين السلطة والقوى التي تسهم في صنع التحولات. فمع انتقال موازين القوة وتبدل المواقع، قد تنشأ تباينات في الرؤى حول إدارة المرحلة الجديدة وحدود المشاركة في اتخاذ القرار. وهنا تظهر تحديات تتعلق بكيفية الحفاظ على روح التوافق التي صاحبت لحظات التغيير الأولى*.
*وفي هذا السياق، يمكن فهم جانب من الجدل الذي أحاط بتلك المرحلة باعتباره نقاشاً أوسع حول مفهوم الشرعية ومصادرها. فالاعتصام لم يكن مجرد حدث عابر، بل مثل تعبيراً واضحاً عن حضور الإرادة الشعبية في المشهد العام، وهو ما جعله جزءاً أساسياً من الذاكرة السياسية المرتبطة بتلك الفترة*.
*وتبقى هذه التجربة شاهداً على حقيقة متكررة في تاريخ الشعوب، وهي أن لحظات التحول الكبرى تفتح أبواباً واسعة للأمل، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة معقدة حول إدارة السلطة والحفاظ على أهداف التغيير. ومن هنا تظل دراسة تلك المرحلة ضرورية لفهم مسار الأحداث واستخلاص الدروس التي يمكن أن تسهم في بناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة ومن ميادين الشعب*.
*لم يكن فضّ الاعتصام مجرد إجراء أمني استهدف إنهاء تجمع بشري في مكان محدد، بل كان لحظة مفصلية كشفت طبيعة الصراع بين رؤيتين متناقضتين للدولة والمجتمع. رؤية كانت تتشكل في ساحات الاعتصام وتطمح إلى بناء دولة تقوم على المواطنة والعدالة والمشاركة العامة، ورؤية أخرى كانت ترى الدولة امتداداً لسلطة القوة ومجالاً حصرياً لمن يملكون النفوذ والسيطرة. ومن هنا فإن الحدث لا يمكن قراءته بوصفه واقعة سياسية عابرة، بل بوصفه ظاهرة إنسانية واجتماعية معقدة تتداخل فيها النفس والسياسة والسلطة والعقيدة*.
*لقد نجح الاعتصام في خلق نموذج مصغر للوطن الذي حلم به كثير من السودانيين. ففي تلك الساحات تراجعت الانقسامات التقليدية التي طالما استنزفت المجتمع، وبرز شعور واسع بالانتماء المشترك والمصير الواحد. واكتشف الناس أنهم قادرون على التعايش والتعاون خارج الأطر التي فرضتها السلطة عليهم لسنوات طويلة. ولذلك لم يكن الاعتصام مجرد مكان للاحتجاج، بل أصبح مساحة لإعادة اكتشاف الوطن وإعادة تعريف معنى الجماعة الوطنية*.
*وكان هذا التحول في حد ذاته مصدر قلق عميق للقوى التي اعتادت احتكار المجال العام. فالسلطات لا تخشى الحشود بسبب كثرتها فقط، وإنما لأنها قد تخلق شرعية جديدة تنافس الشرعية القائمة. وحين يبدأ الناس في الإيمان بإمكانية بناء مستقبل مختلف خارج إرادة السلطة، يصبح الخوف الذي حكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم عرضة للتآكل والانهيار*.
*ولعل السؤال الأكثر أهمية هو: هل كان أعضاء اللجنة الأمنية يملكون الجرأة على مواجهة عمر البشير أو مطالبته بالتنحي لولا الاعتصام؟ وهل كان أي مسؤول داخل المنظومة الحاكمة يستطيع أن يعترض على إرادة رأس السلطة أو يراجع قراراته في ظل المناخ الذي كان سائداً آنذاك*؟
*الأغلب أن ذلك لم يكن ممكناً.فقد كانت السلطة قد بلغت درجة من التمركز جعلت مجرد الاعتراض مغامرة محفوفة بالعواقب. لكن الاعتصام غيّر موازين القوة النفسية قبل أن يغير موازين القوة السياسية، ومنح كثيرين شعوراً بأن ما كان مستحيلاً بالأمس أصبح ممكناً اليوم*.
*لقد حرر الاعتصام الشارع من الخوف، وحرر مؤسسات الدولة من رهبة السلطة المطلقة، وفتح الباب أمام تحولات لم يكن من السهل تصورها قبل اندلاع الحراك الشعبي. غير أن المفارقة المؤلمة في كثير من تجارب الانتقال السياسي هي أن بعض الذين يستفيدون من لحظة التغيير سرعان ما ينقلبون على القوى التي صنعت تلك اللحظة. فعندما تستقر أقدامهم في مواقع النفوذ يبدأ النظر إلى الجماهير بوصفها شريكاً مزعجاً بدلاً من كونها مصدر الشرعية الذي أتاح لهم الوصول*.
*ومن هنا يمكن فهم جانب من المأساة التي أحاطت بفض الاعتصام. فالصراع لم يكن حول خيام أو متاريس أو موقع جغرافي بعينه، بل كان في جوهره صراعاً حول من يملك الحق في تعريف الدولة وتحديد مستقبلها. وكان الاعتصام، بكل ما مثله من رمزية وطنية، شاهداً دائماً على أن السلطة الجديدة لم تولد من فراغ، وإنما خرجت من رحم حركة شعبية واسعة دفعت أثماناً باهظة في سبيل التغيير*.
*إن أكثر ما يلفت النظر في مثل هذه الأحداث ليس حجم العنف وحده، بل قدرة السلطة على تحويل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، وتحويل المواطنين من شركاء في الوطن إلى خصوم ينبغي إخضاعهم أو إقصاؤهم. وعندما تضعف القيود الأخلاقية والقانونية التي تضبط استخدام القوة، يصبح العنف خياراً متاحاً ومبرراً في نظر بعض الفاعلين السياسيين*.
*ومع ذلك فإن التاريخ يبين دائماً أن القوة تستطيع تفريق الناس من الميادين، لكنها لا تستطيع محو المعاني التي جمعتهم فيها. فالأحداث الكبرى لا تبقى حية في ذاكرة الشعوب بسبب ما سال فيها من دماء فحسب،بل لأنها تعيد طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحرية والعدالة والشرعية وحدود السلطة. ولذلك تظل بعض اللحظات حاضرة في الوجدان الوطني لا بوصفها ذكريات من الماضي، وإنما بوصفها جزءاً من معركة مستمرة حول معنى ومستقبل المجتمع*.
*لعل أكثر ما يستحق التأمل في مأساة فضّ الاعتصام ليس العنف في صورته المادية وحدها، بل ذلك التحول النفسي العميق الذي يجعل بعض البشر يرون في خصومهم السياسيين أعداءً يجب الانتقام منهم لا مواطنين يختلفون معهم في الرأي. فحين تتعرض المشاريع الأيديولوجية الكبرى لهزيمة قاسية، لا تنكسر الهياكل السياسية فحسب، بل تتعرض معها صورة الذات لزلزال عنيف. وعندما يكون الإنسان قد أمضى سنوات طويلة من عمره مؤمناً بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة أو أنه صاحب رسالة تاريخية لا يجوز أن تُهزم، فإن سقوط مشروعه قد يُولد داخله مشاعر مركبة من الغضب والإنكار والمرارة والرغبة في الانتقام*.
*وفي علم النفس، كثيراً ما تكون القسوة المفرطة علامة على شعور دفين بالعجز أكثر من كونها دليلاً على القوة. فالمنتصر الواثق من نفسه لا يحتاج إلى التشفي، أما المهزوم نفسياً فإنه قد يلجأ إلى الانتقام ليقنع نفسه بأنه لم يُهزم حقاً. ولهذا فإن بعض أشكال العنف السياسي لا تعبر فقط عن إرادة السيطرة، بل تعبر أيضاً عن جرح نرجسي عميق أصاب جماعات رأت أحلامها وسلطتها وصورتها عن نفسها تتداعى أمام أعينها*.
*ومن هنا يصبح الإنكار آلية دفاع نفسي؛ إذ يعجز البعض عن مواجهة حقيقة أن مشروعاً سياسياً أمضى عقوداً في بناء نفوذه قد فقد قدرته على إقناع المجتمع أو احتكار مستقبله. وبدلاً من مراجعة الذات والاعتراف بالأخطاء، يجري تحميل المسؤولية للآخرين وتجريدهم من إنسانيتهم وتصويرهم كخطر يجب استئصاله. وعندما تجتمع السلطة مع الخوف والحقد والإنكار في لحظة واحدة، تصبح المروءة أول الضحايا*.
*وما يثير الأسى أن المروءة لا تُختبر في التعامل مع الأصدقاء، بل في التعامل مع الخصوم. فالإنسان لا يكشف حقيقة أخلاقه حين ينتصر على من يحب، وإنما حين يمتلك القدرة على البطش بمن يختلف معه ثم يختار العدل. أما عندما يتحول الخلاف السياسي إلى رغبة في الإذلال والتشفي، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت السياسة إلى مستوى أعمق يتعلق بأزمة في القيم نفسها*.
*لقد أراد الذين واجهوا الاعتصام بالقوة أن ينهوا حدثاً في المكان والزمان، لكنهم كانوا في حقيقة الأمر يواجهون معنى أكبر من الخيام والمتاريس والهتافات. كانوا يواجهون لحظة تاريخية أعلنت نهاية يقين قديم وبداية وعي جديد. ولذلك بدا العنف، في جانب منه، محاولة يائسة للانتقام من الحقيقة نفسها؛ حقيقة أن مشروعاً حكم لعقود لم يعد قادراً على احتكار أحلام الناس ولا على مصادرة إرادتهم*.
*ويبقى التاريخ، في نهاية المطاف، أقل اهتماماً بمن امتلك القوة في لحظة معينة، وأكثر اهتماماً بمن امتلك المعنى. فالقوة قد تمنح أصحابها القدرة على القمع، لكنها لا تمنحهم القدرة على محو الذاكرة. وقد تؤخر حركة التاريخ لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع إيقافها. ولهذا فإن الحكم الأخير لا تصدره السلطة، بل الذاكرة الجمعية التي تحتفظ بما جرى وتعيد ترتيب معانيه عبر الزمن*.
*فالقوة تترك آثارها في الأجساد، أما الذاكرة فترسم مكان الأحداث في التاريخ. وحين ينقضي ضجيج اللحظة وتخفت سطوة الغالب، يبقى السؤال الأخلاقي وحده حاضراً من استخدم القوة لفرض روايته، ومن واجهها دفاعاً عن حقه في المستقبل. وعند تلك النقطة يتضح أن التاريخ لا ينحاز إلى الأقوى،بل إلى الحقيقة التي تنجو من محاولات الطمس وتستقر في وجدان الأجيال*.
*وفي ذكرى فضّ الاعتصام، لا نملك إلا أن نرفع أكفّ الضراعة إلى الله، أن يُظهر الحق حقاً ويرزق أهله الثبات، وأن يكشف للناس ما خفي من الحقائق، وأن يقتصّ للمظلومين ممن ظلمهم، وأن يري الأمة عدله في كل من شارك أو أمر أو برّر أو تستر على هذه المأساة. وما يزال من نفذوا هذه الواقعة يسيرون بين الناس، وما يزال من تولّوا التحقيق فيها وأقسموا على الوصول إلى الجناة المعروفين موضع انتظارٍ للمحاسبة والإنصاف.اللهم أرنا في الظالمين عجائب قدرتك، وأرنا العدل فيهم في الدنيا قبل الآخرة، واجعل ذكرى الشهداء نوراً لا ينطفئ، واحفظ حلم الدولة التي قامت على الحرية والكرامة والعدل في قلوب المؤمنين بها، حتى يأتي يوم تتحول فيه الذكرى إلى إنصاف، والحلم إلى واقع*.

زر الذهاب إلى الأعلى