
كتب: معاوية أبوالريش
لم يكن العاشر من يونيو 2026 يوماً عادياً في مسار الأزمة السودانية المتفاقمة. فحين أجازت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون يحمل الاسم الرنّان “قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان”، أو اختصاراً PEACE in Sudan Act، كانت واشنطن تُعلن بصوت مرتفع أن صبرها على الأزمة السودانية قد نفد، وأنها ماضية في تحويل ضغطها الدبلوماسي المعتاد إلى أدوات قانونية ذات أسنان حادة. وما يمنح هذا المشروع ثقله الاستثنائي أنه جاء بتوافق نادر بين الجمهوريين والديمقراطيين، وهو توافق لا يحدث في واشنطن إلا حين تكون الرسالة جدية وغير قابلة للتأويل.
لكن فهم ما يعنيه هذا المشروع فعلاً لا يمكن اختزاله في قراءة فقراته المجردة، بل يستلزم وضعه في سياقه الأوسع الذي بدأ قبله بثلاثة أشهر. ففي التاسع من مارس 2026، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية قراراً تاريخياً بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمةً إرهابيةً عالمية، وشمل التصنيف جناحها المسلح لواء البراء بن مالك. كان ذلك القنبلة الأولى في منظومة ضغط أمريكي متصاعد ومتكامل الحلقات، فيما يمثّل مشروع PEACE القنبلة الثانية في المنظومة ذاتها. ولمن يُمعن النظر في تتابع هذين الحدثين، يتضح أن واشنطن تسير وفق استراتيجية متدرجة تستهدف ثلاثة أطراف في وقت واحد: حكومة بورتسودان، والجيش السوداني، والحركة الإسلامية التي تقف خلفهما.
“ماذا يعني المشروع لحكومة بورتسودان؟”
إن دخل القانون حيز التنفيذ، وجدت حكومة بورتسودان نفسها أمام معادلة شبه مستحيلة تُحاصرها من أكثر من اتجاه. على الصعيد الدبلوماسي، يرمي المشروع إلى الطعن في أحقية حكومة بورتسودان في تمثيل السودان داخل الأمم المتحدة، وذلك عبر تفعيل المادة التاسعة والعشرين من النظام الداخلي للجمعية العامة، التي تُتيح تعليق حقوق عضو بعينه دون طرده رسمياً. والفارق دقيق لكنه جوهري، إذ لا يعني ذلك خروج السودان من المنظمة الدولية، لكنه يعني عملياً تجميد مشاركة وفوده في التصويت والقرارات، وهو ما يُعادل عزلاً دبلوماسياً شاملاً يحرمها من أي أثر على الساحة الدولية. أما اقتصادياً، فإن المشروع يمنح الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة لفرض عقوبات على الكيانات والأفراد المتورطين في دعم أطراف النزاع أو في تعطيل وصول المساعدات الإنسانية. وهذه الصلاحيات، متى فُعّلت، تعني إغلاق أبواب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبقية مؤسسات التمويل الدولي أمام الحكومة، وتحويلها إلى كيان محاصر مالياً لا يستطيع الاقتراض ولا استقطاب الاستثمار. والأخطر من ذلك أن المشروع يُلزم الإدارة الأمريكية بالكشف العلني عن الأشخاص والكيانات المرتبطة بجرائم الإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مما يعني توجيه اتهامات بالاسم إلى مسؤولين في الحكومة والجيش، في خطوة تُمهّد لملاحقات قضائية دولية لا تقتصر على العقوبات المالية.
“الجيش السوداني بين مطرقتين”
يقع الجيش السوداني في موقع أشد حرجاً وتناقضاً من أي طرف آخر في هذه المعادلة. فهو مؤسسة عسكرية وطنية تضطلع رسمياً بمهمة الدفاع عن الدولة، لكنها في الوقت ذاته متشابكة بعمق مع الحركة الإسلامية التي باتت في نظر واشنطن تنظيماً إرهابياً. وهذا التشابك لا يقتصر على الصلات الأيديولوجية، بل يمتد إلى شبكات التمويل ومنظومة القيادة الميدانية وصفوف المقاومة الشعبية المسلحة التي رصدت تقارير عدة تغلغل عناصر الحركة فيها بعمق. والسؤال الذي يطرحه مشروع PEACE على الجيش بصورة مباشرة هو: كيف يمكن لمؤسسة عسكرية وطنية أن تستمر في الاعتماد على جماعة صنّفتها القوة العظمى الأولى في العالم إرهابية، دون أن يمتد ذلك التصنيف ليطالها هي بالذات؟ والمشروع الجديد يُضيّق دائرة الخيارات المتاحة للجيش أكثر فأكثر، فإمّا أن يُقدم على انفصال فعلي وجدي عن الحركة الإسلامية، وهو خيار ذو تكاليف وجودية على المؤسسة لن تقبله التيارات الإسلامية المتجذّرة في أروقتها بسهولة، وإمّا أن يستمر في هذا الاشتباك مع ما يعنيه من انزلاق تدريجي نحو تصنيف الجيش نفسه كياناً داعماً للإرهاب، وهو السيناريو الذي يكفّ عنده كل دعم عسكري أو دبلوماسي دولي.
“الحركة الإسلامية: الورقة المحترقة”
تمثّل الحركة الإسلامية السودانية العمود الفقري الأيديولوجي والسياسي لحكومة بورتسودان. فهي التي أمسكت بخيوط الدولة منذ انقلاب يونيو 1989، وظلت تُدير دوالب السلطة العميقة حتى في أشد لحظات الضغط الدولي توتراً، وأثبتت على مدار عقود قدرةً فائقة على التكيف والبقاء في مواجهة العزلة والعقوبات. غير أن الضغط هذه المرة مختلف نوعياً ومختلف أدوات. فتصنيف مارس 2026 أفقدها أداتها الأكثر حيوية وهي القدرة على التحرك المالي الحر، إذ يستتبع التصنيف تجميد أصول التنظيم وكيانات الواجهة المرتبطة به وحظر تعاملاتها مع المنظومة المصرفية الدولية، فيما باتت واشنطن تلاحق حلقات الإمداد في أسواق السلاح وشبكات تهريب الذهب والوسطاء الإقليميين الذين يشكّلون شريان الحياة المالي للتنظيم. ومشروع PEACE يُضيف إلى هذا الحصار طبقةً سياسية جديدة، إذ يكشف العلاقات بين الحركة ومنظومة الحكم، ويُجرّم التعامل معها على المستوى الدولي، ويُغلق الأبواب أمام أي دولة أو شركة تستمر في دعمها بعد هذا التصنيف دون أن تتعرض بدورها لعقوبات أمريكية.
ومما يزيد الأمر دقةً أن الحركة الإسلامية تجد نفسها أمام معضلة داخلية لا تقل خطورة عن الضغط الخارجي، فالتصنيف الإرهابي يُضعف حضورها السياسي ويدفع تيارات متشددة فيها إلى خيارات راديكالية قد لا تتوقف عند حدود الخطاب الديني، بل تمتد إلى مواجهة داخلية مع قيادة الجيش ذاتها إن هي شعرت بأن البرهان يسعى إلى شق صفوفها والتخلي عنها استجابةً للضغط الدولي.
خاتمة: حين لا تُجدي المراوغة
يقف الإليك المقال كاملاً بصياغة أصيلة محكمة، خالياً من أي إشارات للمصادر:
“السودان في قبضة واشنطن: حين تتحول الحرب إلى ملف إرهاب دولي”
لم يكن العاشر من يونيو 2026 يوماً عادياً في مسار الأزمة السودانية المتفاقمة. فحين أجازت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون يحمل الاسم الرنّان “قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان”، أو اختصاراً PEACE in Sudan Act، كانت واشنطن تُعلن بصوت مرتفع أن صبرها على الأزمة السودانية قد نفد، وأنها ماضية في تحويل ضغطها الدبلوماسي المعتاد إلى أدوات قانونية ذات أسنان حادة. وما يمنح هذا المشروع ثقله الاستثنائي أنه جاء بتوافق نادر بين الجمهوريين والديمقراطيين، وهو توافق لا يحدث في واشنطن إلا حين تكون الرسالة جدية وغير قابلة للتأويل.
لكن فهم ما يعنيه هذا المشروع فعلاً لا يمكن اختزاله في قراءة فقراته المجردة، بل يستلزم وضعه في سياقه الأوسع الذي بدأ قبله بثلاثة أشهر. ففي التاسع من مارس 2026، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية قراراً تاريخياً بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمةً إرهابيةً عالمية، وشمل التصنيف جناحها المسلح لواء البراء بن مالك. كان ذلك القنبلة الأولى في منظومة ضغط أمريكي متصاعد ومتكامل الحلقات، فيما يمثّل مشروع PEACE القنبلة الثانية في المنظومة ذاتها. ولمن يُمعن النظر في تتابع هذين الحدثين، يتضح أن واشنطن تسير وفق استراتيجية متدرجة تستهدف ثلاثة أطراف في وقت واحد: حكومة بورتسودان، والجيش السوداني، والحركة الإسلامية التي تقف خلفهما.
ماذا يعني المشروع لحكومة بورتسودان؟
إن دخل القانون حيز التنفيذ، وجدت حكومة بورتسودان نفسها أمام معادلة شبه مستحيلة تُحاصرها من أكثر من اتجاه. على الصعيد الدبلوماسي، يرمي المشروع إلى الطعن في أحقية بورتسودان في تمثيل السودان داخل الأمم المتحدة، وذلك عبر تفعيل المادة التاسعة والعشرين من النظام الداخلي للجمعية العامة، التي تُتيح تعليق حقوق عضو بعينه دون طرده رسمياً. والفارق دقيق لكنه جوهري؛ إذ لا يعني ذلك خروج السودان من المنظمة الدولية، لكنه يعني عملياً تجميد مشاركة وفوده في التصويت والقرارات، وهو ما يُعادل عزلاً دبلوماسياً شاملاً يحرمها من أي أثر على الساحة الدولية. أما اقتصادياً، فإن المشروع يمنح الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة لفرض عقوبات على الكيانات والأفراد المتورطين في دعم أطراف النزاع أو في تعطيل وصول المساعدات الإنسانية. وهذه الصلاحيات، متى فُعّلت، تعني إغلاق أبواب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبقية مؤسسات التمويل الدولي أمام الحكومة، وتحويلها إلى كيان محاصر مالياً لا يستطيع الاقتراض ولا استقطاب الاستثمار. والأخطر من ذلك أن المشروع يُلزم الإدارة الأمريكية بالكشف العلني عن الأشخاص والكيانات المرتبطة بجرائم الإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مما يعني توجيه اتهامات بالاسم إلى مسؤولين في الحكومة والجيش، في خطوة تُمهّد لملاحقات قضائية دولية لا تقتصر على العقوبات المالية.
الجيش السوداني بين مطرقتين
يقع الجيش السوداني في موقع أشد حرجاً وتناقضاً من أي طرف آخر في هذه المعادلة. فهو مؤسسة عسكرية وطنية تضطلع رسمياً بمهمة الدفاع عن الدولة، لكنها في الوقت ذاته متشابكة بعمق مع الحركة الإسلامية التي باتت في نظر واشنطن تنظيماً إرهابياً. وهذا التشابك لا يقتصر على الصلات الأيديولوجية، بل يمتد إلى شبكات التمويل ومنظومة القيادة الميدانية وصفوف المقاومة الشعبية المسلحة التي رصدت تقارير عدة تغلغل عناصر الحركة فيها بعمق. والسؤال الذي يطرحه مشروع PEACE على الجيش بصورة مباشرة هو: كيف يمكن لمؤسسة عسكرية وطنية أن تستمر في الاعتماد على جماعة صنّفتها القوة العظمى الأولى في العالم إرهابية، دون أن يمتد ذلك التصنيف ليطالها هي بالذات؟ والمشروع الجديد يُضيّق دائرة الخيارات المتاحة للجيش أكثر فأكثر؛ فإمّا أن يُقدم على انفصال فعلي وجدي عن الحركة الإسلامية، وهو خيار ذو تكاليف وجودية على المؤسسة لن تقبله التيارات الإسلامية المتجذّرة في أروقتها بسهولة، وإمّا أن يستمر في هذا الاشتباك مع ما يعنيه من انزلاق تدريجي نحو تصنيف الجيش نفسه كياناً داعماً للإرهاب، وهو السيناريو الذي يكفّ عنده كل دعم عسكري أو دبلوماسي دولي.
الحركة الإسلامية: الورقة المحترقة
تمثّل الحركة الإسلامية السودانية العمود الفقري الأيديولوجي والسياسي لحكومة بورتسودان. فهي التي أمسكت بخيوط الدولة منذ انقلاب يونيو 1989، وظلت تُدير دوالب السلطة العميقة حتى في أشد لحظات الضغط الدولي توتراً، وأثبتت على مدار عقود قدرةً فائقة على التكيف والبقاء في مواجهة العزلة والعقوبات. غير أن الضغط هذه المرة مختلف نوعياً ومختلف أدوات. فتصنيف مارس 2026 أفقدها أداتها الأكثر حيوية وهي القدرة على التحرك المالي الحر؛ إذ يستتبع التصنيف تجميد أصول التنظيم وكيانات الواجهة المرتبطة به وحظر تعاملاتها مع المنظومة المصرفية الدولية، فيما باتت واشنطن تلاحق حلقات الإمداد في أسواق السلاح وشبكات تهريب الذهب والوسطاء الإقليميين الذين يشكّلون شريان الحياة المالي للتنظيم. ومشروع PEACE يُضيف إلى هذا الحصار طبقةً سياسية جديدة، إذ يكشف العلاقات بين الحركة ومنظومة الحكم، ويُجرّم التعامل معها على المستوى الدولي، ويُغلق الأبواب أمام أي دولة أو شركة تستمر في دعمها بعد هذا التصنيف دون أن تتعرض بدورها لعقوبات أمريكية.
ومما يزيد الأمر دقةً أن الحركة الإسلامية تجد نفسها أمام معضلة داخلية لا تقل خطورة عن الضغط الخارجي، فالتصنيف الإرهابي يُضعف حضورها السياسي ويدفع تيارات متشددة فيها إلى خيارات راديكالية قد لا تتوقف عند حدود الخطاب الديني، بل تمتد إلى مواجهة داخلية مع قيادة الجيش ذاتها إن هي شعرت بأن البرهان يسعى إلى شق صفوفها والتخلي عنها استجابةً للضغط الدولي.
” حين لا تُجدي المراوغة”
يقف السودان اليوم عند مفترق طرق لا تُجدي فيه المراوغة المعهودة. فمشروع PEACE ليس بنداً معزولاً في جدول أعمال الكونغرس، بل هو مرحلة في مسار أمريكي متصاعد يسير وفق منطق تراكمي محكم البناء: تصنيف إرهابي أولاً، ثم حصار مالي، ثم تجريد من الشرعية الدولية. وما يجعل هذا المسار مختلفاً عن كل ما سبقه من ضغوط هو أنه لا يستهدف هذه المرة تقديم تنازلات سياسية جزئية، بل يضع الأطراف جميعها أمام خيار وجودي: إمّا المضي نحو تسوية سياسية حقيقية تُفضي إلى دولة مدنية تعددية، وإمّا مواصلة الطريق نحو عزل شامل وحصار بلا أفق. والتاريخ يُعلّمنا أن الجماعات التي تتمسك بالسلطة حتى آخر لحظة نادراً ما تختار التسوية قبل أن تُغلق عليها جميع المخارج، وهذا هو جوهر الرهان الأمريكي الراهن على السودان.



