الأعمدة

سيادة مهدورة ودماء مستباحة : اعتداء مربع “الأنصاري” بين انتهاك مصر للسيادة السودانية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية

أسامة كنينة
شهدت منطقة “الأنصاري” للتعدين الأهلي الواقعة داخل الحدود الجغرافية للدولة السودانية تصعيداً عسكرياً خطيراً، تمثل في قصف جوي وتوغل بري خارجي أسفر عن سقوط مئات الضحايا من العمال والمعدنين التقليديين العُزل.
تثير هذه الفاجعة تساؤلات قانونية وسياسية مصيرية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، لتضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي حول مدى الالتزام بالمواثيق الدولية. ويتوزع التكييف القانوني لهذه الجريمة مناصفة بين شقين متكاملين: الأول يمس كيان الدولة وسيادتها، والثاني يستهدف الوجود الإنساني للمواطنين العزل.
الشق الأول: جريمة انتهاك السيادة والعدوان على الدولة السودانية
يمثل التدخل العسكري الخارجي في مربع “الأنصاري” اعتداءً صارخاً على الكيان المادي والدستوري للدولة السودانية، وهو فعل محرم قطيعة في القانون الدولي العام من خلال محددين أساسيين:
خرق ميثاق الأمم المتحدة: تنص المادة (2) الفقرة (4) من ميثاق الأمم المتحدة على حظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. وبما أن مربع “الأنصاري” يقع جغرافياً وإدارياً تحت سلطة الدولة السودانية وتُشرف عليه وزارة المعادن، فإن دخول مصفحات وقصف طائرات مسيرة يُعد انتهاكاً مباشراً للسيادة الوطنية لا يمكن شرعنته تحت أي ذريعة أمنية.
جريمة العدوان المكتملة: يُكيف هذا التوغل العسكري كـ “جريمة عدوان” وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولا يملك النظام الحاكم أو السلطة الإدارية المؤقتة أي حق قانوني في التفويض بركوب هذا الانتهاك أو التنازل عن حرمة أراضي الدولة؛ لأن السيادة ملك حصري للدولة وثابت من ثوابتها، وأي تنسيق لتسهيل ضرب العمق الوطني يُعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً ولا يسقط صفة الاعتداء الخارجي عن الطرف الأجنبي.
الشق الثاني:
يقع الانتهاك الأشد فظاعة بحق الإنسان المدني؛ إذ تم تحويل منطقة كسب عيش لآلاف العمال إلى ساحة تصفية جماعية ومجزرة بشرية ارتكبت خلالها جرائم ضد الإنسانية واستهداف مباشر لعمال المناجم العزل
الصفة المدنية المحمية: يُصنف عمال المناجم والمعدنون التقليديون في القانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف 1949) كمدنيين محميين بشكل كامل، ولا تسقط عنهم هذه الصفة بذريعة عشوائية النشاط الاقتصادي أو عدم تنظيمه.
توصيف “الجرائم ضد الإنسانية”: إن شن هجوم واسع النطاق وممنهج وموجه ضد تجمع سكاني وعمالي أعزل، متبوعاً بقصف طائرات مسيرة لا تفرق بين الحجر والبشر، وملاحقة الفارين في الجبال والكهوف، يصنف مباشرة كـ “جريمة ضد الإنسانية” و”جريمة حرب”. كما أن توثيق قصف وسائط النقل وسيارات الإسعاف المحلية التي حاولت إنقاذ المصابين يعكس نية مبيتة لإيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية، وهو ما يمثل خرقاً لـ “مبدأ التمييز” و”مبدأ التناسب” .
خلاصة قانونية: حقوق لا تموت بالتقادم
إن هذا التلازم بين انتهاك سيادة الدولة واستباحة دماء مواطنيها يضع أطراف الاعتداء — الفاعل المباشر والشريك المسهل — تحت طائلة المسؤولية الجنائية الدولية المشتركة. وبموجب الاتفاقية الدولية لعام 1968، فإن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم؛ مما يعني أن حق الدولة السودانية وشعبها في ملاحقة المتورطين قضائياً، والمطالبة بالتعويضات وجبر الضرر عن الضحايا وتدمير الممتلكات، يظل قائماً ومفتوحاً أمام المحاكم الدولية مهما تبدلت الأنظمة الحاكمة أو طال الزمان.
والمثير للدهشة أن انتهاك مصر للسيادة السودانية مصحوب بصمت مطبق من مجلس (السيادة) السودانية وقادة الجيش السوداني وكل الأحزاب السودانية التي تملأ الدنيا ضجيجا وتدعي الدفاع والحرص علي السيادة السودانية.

زر الذهاب إلى الأعلى