الأعمدة

ما قبل الهبوط النادم ..

نُشر هذا المقال في العشرين من يونيو 2021، يوم كانت الفترة الانتقالية تتأرجح بين الآمال العريضة والاستقطابات الحادة، بينما كانت المخاوف تتصاعد من أن يتكرر في السودان ما ظل يتكرر عبر عقود طويلة من إجهاض الأحلام الوطنية قبل أن تكتمل.
بعد ذلك بأشهر قليلة وقع ما وقع في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، ثم توالت الأحداث حتى انتهى الوطن إلى واقع أكثر قسوة وأشد إيلامًا، بلغ ذروته في الحرب المدمرة التي ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على البلاد والعباد.
أعيد نشر هذا المقال اليوم كما كُتب آنذاك، دون تعديل في جوهره، لا ادعاءً لصواب رؤية ولا افتخارًا باستباق حدث، وإنما من باب استدعاء الذاكرة الوطنية ومراجعة الدروس التي كثيرًا ما أهملناها، حتى وجدنا أنفسنا ندور في الحلقة نفسها من الأخطاء والندم.
ولعل في استرجاع بعض ما قيل بالأمس ما يعين على قراءة ما نعيشه اليوم، فالأمم لا تتقدم بكثرة ما تتذكر من أمجادها، وإنما بقدرتها على التعلم من عثراتها، وتحويل مرارات التجارب إلى وعيٍ يجنبها تكرار السقوط.
ــــــــــــــــــــ
أفشل الشعوب تلك التي تتباهى بماضيها التليد فخراً بما فعله الأسلاف، دون أن تضيف إليه طوبة من إبداع حاضرها، بل وتجدها تجعل من الحاضر وسادةً للاتكاء على التغني بما مضى، في غفلة طويلة عن بناء المستقبل أو الاستفادة من الماضي دروساً تجنبها الوقوع في الأخطاء التي أفضت إلى واقعها المزري الذي تعيشه وهي تتذيل قائمة الأمم تنموياً وعلمياً، ثم تراها تتلاوم فيما بينها جدالاً حول من كان السبب في ذلك المصير المحبط!
وهكذا حالنا بكل أسف.. نتباكى على أثر لم نقتفه للنهوض بأنفسنا إلى الأمام، وترانا غارقين في سكرة إنشادنا، ونظل نتجرع المزيد من نشوة طربنا على أنغام وإيقاعات من قبيل:
كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية..
وبتريد اللطام أسد الكداد الزام..
هزيت البلد من اليمن للشام..
أو نمجد زمان عبد اللطيف، ونتذكر استشهاد الماظ على مدفعه، ونمدح عازة مثلما غنى الخليل..!
ثم نغفو عند محطة:
اليوم نرفع راية استقلالنا..
وحينما يقفز أحد إخوان البنات ويختطف مفتاح ديمقراطيتنا ويغلق علينا الباب الذي كان يمكن أن يفضي بنا إلى فضاءات المستقبل الحر، نصفه بجبل الحديد، وإن حفظ له التاريخ قوله: «احكموا علينا بأعمالنا»!
ثم ما نلبث أن نمل طلعته وهو يلوح في وجوهنا المتجهمة بأخماص البنادق، إلى أن نصحو على قرقعة أسلحته وقد صرعت القرشي شهيدنا الأول وإخوانه.
ولم نستفد كثيراً رغم ذلك كله من استعادة ذلك المفتاح الصدي وقد علا بوابته التصدع، فيتعثر ذات المفتاح هذه المرة داخل الباب القصير بساعد عسكري آخر قبل أن نخرج منه للتمهل جيداً على مقعد اختيارنا.
فنبدأ ننشد للقادم المتعنتر على جنازير المدرعة الحمراء، في انكسار جديد وفرح ساذج:
أنت يا مايو الخلاص..
يا جداراً من رصاص..
يا حبالاً للقصاص..
من عدو الشعب..
في كل مكان وزمان.
ولم نكن نعلم أننا، نحن مدنيين وعسكريين، كنا عدو الشعب ذاته!
وخرجنا ننشد الخلاص مجدداً، فلم نحصد لا قمحاً ولا أنجزنا وعداً، ولا بلغنا أدنى حد التمني.
وحينما ضلت بنا السبل مرة أخرى، وتاهت الخطوات بعيداً عن الباب نفسه الذي يخرجنا إلى فسحة التعلم من التجارب السابقة بكل مرارتها، سقطنا في فخ الذين ساقونا في طريق التسليم تنويماً إلى حلم الغيبيات الكذوبة.
ولطالما فعل بنا لصوص الهجمة الأخيرة تلك الطويلة خنقاً بحبال تخديرنا باستلاب الوعي والتكويش على المقتنيات، بعد أن أخافوا البسطاء بتشهير التكفير، واستمالوا البعض بتعطيل التفكير منذ لحظة القفز إلى فناء الدار غير المحروسة ساعتها!
وها نحن نستفيق أخيراً، ولكن على رائحة دماء غالية نثرها عند حاسة شمنا أبناء جيل مختلف في تفكيره، ومتفوّق في ثمن تضحياته وحجم طموحاته.
ولكننا أخذنا نزاحمه بكل بجاحة لنستحوذ على استحقاقاته المشروعة، ونحن ندرك أن كلنا شركاء في جريرة تهميشه؛ عسكراً ومدنيين.
وكل حقائق الماضي البعيد والحاضر الماثل تقول بصريح الاتهام إن العسكر قد يكونون دائماً هم الفاعلين في جرم الانقلابات، ولكن لا بد أن وراءهم دائماً محرضين أو مقصرين مدنيين، بدافع معلوم أو غرض ما، فيصبح الجميع شركاء في النتائج.
إذن لن يفيدنا التلاوم بعد فوات الفرصة التي أمامنا الآن، ولا التنازع حول كراسيها.
ولن نعود إلى أرض الواقع من علو تهويمنا وأوهامنا، سباحةً في فراغ العشم الضائع سلفاً إن هي سادت سوءات النوايا.
ولا يمكن لنا النزول بمظلة الهبوط الناعم طالما أن البعض يحاول ثقبها بمدية الشك فيمن يشاركه مصير السقوط معه إذا ما تمزقت بهما قبل بلوغ الهاوية، حيث لن يجدي حينها هبوط النادم متأخراً على صوت تحطم عظامه حينما جانب الحكمة في الإمساك بمقابض وحبال تلك المظلة، التي قد لا يجد مثلها في سوق الثورات السلمية التي عزّت في زمان لا يبدو في آخر نفقه بصيص ضوء للخروج من خلف دخان الصراعات الكثيف الذي يعمي البصر والبصائر معاً.
والشواهد من حولنا كثيرة، والتجارب كم هي مريرة..
فهل نتعلم ولو أبجديات تلك العبر..
ونتبين طريق العبور؟

زر الذهاب إلى الأعلى