العقوبات الأمريكية وجلسة بعثة تقصي الحقائق: السودان يدخل مرحلة الوثائق لا مرحلة البيانات فقط

العقوبات الأمريكية الأخيرة على السودان، بالتزامن مع النقاش الدولي حول بعثة تقصي الحقائق، لا ينبغي أن تُقرأ كأحداث منفصلة. نحن أمام لحظة سياسية وقانونية جديدة، ينتقل فيها ملف الحرب من خانة البيانات الدبلوماسية العامة إلى خانة التوثيق، والمساءلة، وتحديد المسؤوليات.
ما يحدث اليوم يعني أن المجتمع الدولي لم يعد يتعامل مع الحرب في السودان باعتبارها صراعًا داخليًا يمكن تركه للأطراف المتحاربة، بل كملف يهدد المدنيين، والاستقرار الإقليمي، ومسار العدالة الدولية. فكلما اتسعت الانتهاكات، وكلما تعقدت خريطة الأطراف، زادت الحاجة إلى تحقيق مستقل، وإلى وثائق، وشهادات، وأدلة، لا إلى بيانات إنكار أو خطابات سياسية تحاول الهروب من جوهر القضية.
ولهذا، فإن رفض بعثة تقصي الحقائق أو محاولة تعطيل عملها لا يحمي أي حكومة، بل يضعها في موقع أضعف. الحكومة التي تثق في موقفها لا تخاف من التحقيق المستقل، بل تفتح الأبواب، وتقدم الوثائق، وتسمح للشهود بالكلام، وتترك الأدلة تثبت الحقيقة. أما الرفض والمنع، فيحوّلان الشكوك إلى أسئلة سياسية أكبر: لماذا تخاف سلطة تدّعي البراءة من لجنة تحقيق دولية؟
وهنا تظهر المفارقة المهمة. حكومة أو سلطة تريد أن تقدم نفسها كجزء من الحل، لا بد أن تتعامل مع بعثة تقصي الحقائق لا كعدو، بل كاختبار للمصداقية. من يسمح بالتحقيق، ويقبل بالمساءلة الفردية، ويفصل بين المسؤولية القانونية للأشخاص وبين التجريم الجماعي للمجتمعات، يضع نفسه في موقع أقوى أمام العالم. أما من يرفض التحقيق، فهو عمليًا يترك الآخرين يكتبون الرواية عنه.
العقوبات الأمريكية من جهة، وبعثة تقصي الحقائق من جهة أخرى، تفتحان مرحلة جديدة عنوانها أن الحرب لم تعد تُدار بالسلاح فقط، بل بالملفات القانونية، والتقارير الأممية، والعقوبات، والوثائق التي قد تستخدم لاحقًا في المحاكم أو في قرارات دولية أوسع.
بالنسبة لحكومة تأسيس، القراءة الصحيحة لهذه اللحظة هي أن الشرعية القادمة لن تُبنى من الميدان وحده، بل من القدرة على احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، والتعاون مع آليات التحقيق، وتقديم خطاب سياسي واضح يقول إن الدولة الجديدة لا تقوم على حماية الجناة، بل على محاسبة كل من ارتكب جريمة باسمه وموقعه، أيًا كان انتماؤه.
فالسياسة الذكية لا تعني الهروب من التحقيق، بل تحويل التحقيق إلى فرصة لإثبات الموقف، وتقديم الوثائق، وإظهار الفارق بين من يريد بناء دولة تحترم القانون، ومن يريد دفن الحقائق تحت الركام. وفي هذا السياق، فإن السماح لبعثة تقصي الحقائق بالوصول إلى المناطق المتأثرة، بما فيها الفاشر، لا يمثل ضعفًا، بل يعكس ثقة سياسية وقانونية بأن الحقيقة يجب أن تُقال، وأن الضحايا يجب أن تُسمع أصواتهم، وأن العدالة لا تُبنى بالانتقاء.
الخلاصة أن السودان دخل مرحلة لا تنفع فيها الشعارات وحدها. العالم يريد حقائق، وثائق، أسماء، ومسارات مساءلة. ومن يفهم هذه اللحظة مبكرًا يستطيع أن يحول الضغط الدولي إلى فرصة سياسية وأخلاقية. أما من يظن أن رفض التحقيق أو مهاجمة بعثات التقصي سيحميه، فهو لا يفعل إلا تعميق عزلته وفتح الباب أمام عقوبات أوسع وملفات أثقل.
كسرة أخيرة:
رفض لجان التحقيق لا يحمي أحدًا، بل يفضح من يخاف من فتح الدفاتر. فمن كان واثقًا من براءته لا يطارد بعثات التقصي بالبيانات والاتهامات، بل يفتح لها الأبواب، ويقدم الوثائق، ويترك الشهود يتحدثون. أما الهروب من التحقيق، فهو في حد ذاته رسالة للعالم بأن هناك ما يُراد إخفاؤه.
والمفارقة الساخرة أن الحركة الإسلامية وواجهاتها الأمنية أصبحت اليوم كأنها ملف مطلوب يتنقل بين مكاتب العالم:
يفكهم مجلس الأمن، تمسكهم أمريكا.
تفكهم أمريكا، يستلمهم الاتحاد الأوروبي.
يفكهم الأوروبي، تمسكهم لجنة تقصي الحقائق.
يتعاملون معهم كأنهم شنطة ممنوعات في مطار دولي؛ كل جهة تفتحها تجد بداخلها ملفًا أثقل من الآخر: عقوبات، انتهاكات، تمويل حرب، تعطيل تحقيقات، وخوف مزمن من الحقيقة.
وهذه هي نهاية من ظن أن الدولة يمكن أن تُدار بالإنكار، وأن الجرائم يمكن أن تُدفن تحت البيانات. العالم اليوم لا ينسى، والملفات لا تُغلق بالضجيج، بل بالأدلة والمساءلة والعدالة.
الرسالة واضحة:
من يريد بناء دولة لا يخاف من الحقيقة.
ومن يخاف من الحقيقة، لا يستطيع أن يقنع العالم بأنه مؤهل لحكم دولة.



