الأعمدة

الرمزية في شعر الحقيبة: دلالة استحضار المكان وغياب تسمية المحبوبة

بقلم: إسماعيل السيد أحمد
لعل المستمع لأغاني الحقيبة أو المطّلع على اشعارها، يلاحظ بشكل واضح ذكر شعراء اغاني الحقيبة لأسماء الأماكن التي تعيش فيها محبوباتهم بدلاً عن التصريح بأسمائهن، حيث يُعد هذا الأسلوب حيلة دفاعية ذكية يلجأ إليها الشعراء عندما يكون التصريح باسم المحبوبة مستحيلاً، إِمّا بسبب العادات والتقاليد التي تَجرَّم الحب، أو بسبب الخوف من فقدانها وحرمانهم من الاقتران بها. ولذلك عمد شعراء الحقيبة إلى جغرافية المكان كبديل رمزي للتسمية، وبذلك تتماهى في اشعارهم المحبوبة مع المكان حتى يغدوا كياناً واحداً، فلا يعود المكان مجرد فضاء جغرافي فحسب، بل يصبح تجلياً رمزياً لحضورها.
يتناول هذا المقال الأسباب التي دعت شعراء أغنية الحقيبة لذكر الأماكن التي يقم فيها محبوباتهم كبديل تعويضي عن التصريح بأسمائهن في قصائدهم الغنائية، والدلالات النفسية التي جعلتهم يتجاوزوا بُعدها المكاني، فتصبح هاتيك الأماكن معادلاً رمزياً للمحبوبة نفسها، كما يستجلي المقال مدى تأثر شعراء الحقيبة بالشعر العربي، مع تقديمه للعديد من النماذج التي توضح ذلك.
تعلق الشاعر عبد الرحمن الريح مكانياً في قصيدته “انا بيك سعادتي مؤكدة” بحي <> كحيز جغرافي تقيم فيه المحبوبة، مستعيضاً به عن التصريح باسمها ليصبح حي <> رمزاً للمحبوبة وأيقونة لحضورها العاطفي، وقرينة وفاء دالة على انتماء الشاعر إليه.
ما عندي مانع، حتى لو
ضيعني ساكن الموردة
وبممارسة الشاعر للإحلال الرمزي من خلال إحلال المكان (حي الموردة) محل اسم المحبوبة، يكون قد أفرغ شحناته العاطفية بشكل مقبول اجتماعياً لدى مجتمع لا يقر الحب وقتئذ، وعبّر عن شعوره تجاهها بصورة مشروعة -عاطفياً- لديها، كما أفصح الشاعر عن حالتي الرضا العاطفي والاستسلام الطوعي لسلطان الحب الكامن في حي الموردة ” ما عندي مانع، حتى لو ضيعني ساكن الموردة”.
ولعل الشاعر عبد الرحمن الريح قد سار في درب الشاعر العباسي/ صريع الغواني (مسلم بن الوليد الأنصاري) حين أشار إلى محبوبته بساكن <> دون أن يورد اسمها.
يا ساكن الكوفة اللاهي بلذته
ما مال بي عن حبيب غيرك الطرب
الشاعر صالح عبد السيد (أبو صلاح) في قصيدته ” في النسايم شاكي ” لم يصرح باسم محبوبته، بل اكتفى بالإشارة إليها ضمناً بأنها “شريكة روحه”، بيد أنه طلب من النسيم أن يبلغ شكواه إلى محبوبته التي تسكن في حي <>، إذ لم يعد حي <> للشاعر مجرد منطقة جغرافية، بل صار موطناً للحنين، ومستودعاً للذكرى، ومقاماً لاستحضار المحبوبة.
في النسايم شاكي لود نوباوي تروح
بي لطف تغشاكي يا شريكة الروح
بذكر الشاعر لحي<> يكون قد استدعي حضورها النفسي والوجداني معاً، إذ يصبح هفيف النسيم المفعم بلطف الشكوى استعتاباً رقيقاً لها (بي لطف تغشاكي).
وهو نهج انتهجه قبلهم الشاعر الاموي/ ذو الرُّمَّة حينما خاطب الليل مسترجعاً لذكرياته وناشداً لأخبار محبوبته “مي” المقيمة مع اهلها في موضع <>، ومتحسراً لِما آلت إليه خيام اهلها بمنطقة <>، وما أصابها من البِلى والاندثار، لا بسبب زوال أثرها وحده، بل بسبب الزمن والفراق اللذين نالا منها ما هو نائل، حتى غدت شاهدة على رحيل محبوبته.
أُراجِعُهُ يا لَيْلَ الأَلِيِّ ** بِذِي الرَّمْثِ أَمْ ما لَهُنَّ رُجُوعُ؟
وَخَيْماتُكَ اللَّاتِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى** بَلِينَ بِلًى لَمْ تُبْلِهِنَّ رُبُوعُ
ولم يصرح الشاعر /عبد الرحمن الريح باسم غزاله الذي يسكن حي <> بأم درمان، بل استدعى محل اقامتها حي<> والذي يحمل مدلولاً نفسياً ووجدانياً عميقاً له؛ إذ إنه لم يعد مجرد فضاءً جغرافياً، بل أصبح لدى الشاعر موطناً للجمال ومصدر اً للإلهام، لكونه يستمد جماله منها، فضلاً عن كونه يمثل حاضنة لتجربته العاطفية.
لي في المسالمة غزال نافر بغني عليهو
جاهل وقلبو قاسي وأنا قلبي خاضع ليهو
وشأن حي المسالمة شأن منطقة <> التي تقيم فيها محبوبة الشاعر الأموي/ جرير بن عطية التميمي، حين أقسم الشاعر بحياته إنه لن ينسى<>، لأنها شهدت أيام حفاوة وصال محبوبته وصفاء لحظات لقائهما، ولذلك يبقى الشاعر وفياً لليالي <> الخالدات، ويصبح ذكراها في سُويداء قلبه.
لعمري لا أنسي ليالي منعج
ولا عاقلاً إذا منزل الحي عاقل
نَعِم قلب الشاعر/عبد الرحمن الريح بالصفاء والأمن والطمأنينة، لولا تعلق قلبه بساكنة الخوجلاب التي استلبت قلبه.
ما كنت رايق وساكن في صفا وتأمين
في الخوجلاب يا قلبي المني شالك مين
استخدم الشاعر عمر البنا في قصيدته ” امتى ارجع لام در واعودا” تقنية بلاغية رائعة، وذلك باستدعائه لمدينة أم درمان، وهو استدعاء -دون أدنى شك- لكل تفاصيل الحياة فيها بما في ذلك ذكرى المحبوبة. إذ إن عودته لام درمان تمثّل النوستالجيا التي تثير في النفس شجون الذكريات، وفيَّاض المشاعر، وتَوَقَّد الحنين، وانسياب الاشواق للمحبوبة.
أمتي ارجع لأم در واعودا
وأشوف نعيم دنيتي وسعودا
إمتى تلمع بروق رعودا
حظوظي تنجز لي وعودا
روحي ضاعت في النار قعودا
لي هون يا ربي عودا
اشوف حبيبتي وانظر خدودا
عساها ترحم تكون ودودا
وكما عبّر الشاعر/ عمر البنا عن شدة شوقه إلى أم درمان، عبّر الشاعر/ الأموي كثير عزة عن اشواقه ل<> المكان الذي ارتبط بمحبوبته، حتى أصبح مجرد الوصول إليه أو الإقامة فيه مصدراً لسعادته، لكونه يمثل براحاً عاطفياً يستعيد فيه حضور المحبوبة وذكريات وصالها، مما يعكس ارتباطاً وثيقاً بين المشاعر الإنسانية والمحيط الذي تقيم فيه المحبوبة.
ألا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً
بِوَادِي القُرَى إِنِّي إِذًا لَسَعِيدُ
الشاعر إبراهيم العبادي في خضم ذكراه لمدينة أم درمان، يتذكر محبوبته التي تسكنها، إلا انه لم يصرح باسمها شأنه شأن رفقائه من الشعراء. إذ إن <> لا تعني له مجرد مكان جغرافي، بل مكان اكتسب قيمته من الإنسان الذي يقيم فيه، ولذلك ينفصل المكان عن دلالته المادية، ليغدو جزءً من عالم المحبوبة وامتداداً لوجودها الوجداني، حتى يصبح ذكره معادلاً لذكرها، وحبه جزءً من حبها.
ايه الناس وايه ناسا
طريت ام در حليل ناسا
وهي فلسفة عاطفية قديمة عبّر عنها الشاعر/ قيس بن الملوح بقوله:
وما حبُّ الديارِ شغفن قلب
ولكن حبُّ من سكن الديارا
يتعمّد الشاعر /عبد الرحمن الريح إخفاء اسم المحبوبة، فيستعيض عنه بقولـه: “شادن العمراب”، ليمنح المكان وظيفة رمزية تتجاوز حدوده الجغرافية، فيغدو المكان مرآةً لحضورها الوجداني، حيث لا يمثل حي <> مجرد مجاز مرسل علاقته المحلية، بل يستند إلى رؤية جمالية تجعل الأثر أبلغ من الحضور المباشر؛ إذ إن الأثر يوسّع أفق الدلالة، ويفتح باب التأويل، ويستنفر الذاكرة والخيال لاستحضار الغائب من خلال ما خلّفه من علامات.
جامل ولا تكون عامل عن العشوق اضراب
أدركني وأرحم قلبي يا شادن العمراب
ومن ثمّ، يتحول حي <> من حيز مكاني إلى فضاء عاطفي يختزن صورة المحبوبة، وبالتالي يصبح استدعاؤه له دون الحاجة إلى التصريح باسمها، مما يجعل ذكره مقبولاً -نسيباً- لدى المجتمع، ويكسب القصيدة قدراً من جمال البلاغة، وكذلك يُشرك المتلقي معه في إعادة بناء الصورة الوجدانية الكامنة وراء الرمز “شادن العمراب”.
عموماً نجد أن شعراء الحقيبة بصورة عامة قد استعانوا بالمجاز المرسل لا سيما علاقة المحلية فيه للاستعاضة عن التصريح باسم المحبوبة بمحل اقامتها، إذ حُظِي مكان إقامة المحبوبة بقدرٍ كبير من اهتمامهم. وفي تقديري أن ذلك يرجع إلى دافع الحرمان -وقتئذ- لأن الحب كان مقموعاً بعوامل البيئة والظروف الاجتماعية التي كانت تمنعه، بيد أن ذلك لم يكن لهم نهجاً انتهجوه لوحدهم، فلقد سبقهم من قبل الشعراء العرب، لاسيما في العصريين الاموي والعباسي.

زر الذهاب إلى الأعلى