الأعمدة

المجاعة و الانهيار الأقتصادي الشامل نتائج مباشرة لاستمرار الحـ رب و ليست مؤامرة كونية

بكري الجاك
لم يعد هنالك شك أن هناك انهيار اقتصادي شامل وان هناك مجاعة تضرب البلاد ويعاني منها الناس جميعا بغض النظر عن مواقفهم السياسية و مواقفهم من الحـ رب و اثنياتهم و أعراقهم و مواقعهم الجغرافية والاجتماعية و هو أمر مقلق للغاية لكل ذي ضمير حي وهو شأن يجب أن لا يتحول إلى مجرد أداة سياسية لتسجيل النقاط ضد الخصوم السياسيين المتصورين بالاستثمار في معاناة الناس التي بلغت مستوى إنها كــ ـارثة حقيقية ماثلة وتتوسع خصوصا مع الفشل المؤكد للمؤسم الزراعي و هذا يعني الندرة والغلاء والمجاعة.
جادلت في هذه الصفحة قبل أسابيع أن الواقع المادي وحده هو الذي سيهزم التضليل الممنهج و الاستثمار المنظم في الاستقطاب الذي خلقته الحـ رب في مقال تحت عنوان “الحـ رب الموازية…” و ها هي الحقيقة تتجلى يوما بعد يوم إذ لا يمكن أن تصور للناس أن هناك آخرين على أساس أنهم الشر المطلق وأن كل ما يحدث هو مؤامرة خارجية و هي حجة الانقاذ القديمة في الاحالة و الغرض هو عدم تحمل المسؤولية حيال ما يحدث من تردي و انهيار و احالة ذلك الي خارج ما يتآمر على السودان.
الحقيقة المادية الموضوعية الشاخصة في كل منحي أن استمرار الحـ رب هو العامل المباشر في استمرار التدهور الاقتصادي و يستحيل في ظل استمرار الحرب أن تكون هناك دورة اقتصادية كاملة حيث يستثمر الناس في الزراعة و تقوم المصانع باستخدام المواد الخام لإنتاج سلع ضرورية وفي نفس الوقت توفر فرص عمل و هكذا، و في ظل اقتصاد الحـ رب الصيغة التي بدأت تتضح هي ما يمكن تسميته بما بعد الزبائنية Post-Clientelism الزبائية هي تعريف صيغة العلاقة التي بدأت تتطور بين الدولة و المواطنين في حقبة ما بعد الفوردزم Fordism الفوردزم هي مرحلة ال Mass Production أي الإنتاج الوفير و التشغيل الواسع و هي الفترة من بدايات القرن العشرين الي منتصفه قبل أن ندخل في مرحلة ما عرف بالزيائنية وهي فترة نموء اقتصادي كبير شهدت تطور دولة الرعاية الاجتماعية التي أعقبت الحـ رب العالمية الثانية قبل أن نصل الي مصاف النيوليبرالية مع ريغان و تاتشر في ثمانينات القرن الماضي. أما صيغة العلاقة ما بعد الزبائنية فتقوم على افتراض أن علاقات الناس مع الدولة يجب أن تبني على أساس المصالح المادية المباشرة وليس المواطنة و الحقوق و كيفية تخلقها في خطاب سياسي حقوقي في سياق المجتمع المدني، وهذا ما يقوم به لوردات حـ رب الكرامة وقادة المليشـ يات القبلية إذ تضع كل مجموعة يدها على مورد اقتصادي و تدّعي أن هذا استحقاق سواء بحجة اتفاق سلام ما أو أنها قدمت تضحيات للدفاع عن الدولة في حـ رب الكرامة و النتيجة هي المحاصصة الاثنية التي أنتجت الشعور بالاستحقاق الذي يطبع علاقة الأفراد مع فكرة الدولة التي أصبحت مجرد مؤسسة حكومية توفر موارد لاستمرار الولاء.
ها وقد بدأت تتصاعد بعض الأصوات من حارقي البخور و تجادل أن ما يحدث من انهيار اقتصادي شامل هو مؤامرة أخرى ضد الدولة السودانية و أن سلطة الأمل الفاقدة للأمل و العاجزة عن العمل ووزير ماليتها ( الرجل العينه قوية اذ أنه يخضع لعقوبات دولية ويصر أن يعاقب السودانيين) ليس لهم أي مسؤولية حيال ما يحدث من خراب، و الفكرة واضحة هي أن كل فشل هو ليس من صنع الفاعلين الذي يرفضون حقيقة أن الحـ رب هي السبب المباشر في كل ما يحدث و أنه في ظل استمرارها لا يوجد حل في وديعة دولارية و لا في الوهم الذي ظلت تبيعه ما يسمي بحكومة الأمل. أما الانكأ و الأسوأ في ظل تحول ما تبقى من مؤسسات الدولة إلى مجرد غنائم مبذولة للمحاصصات الأثنية هو انهيار مبدأ و معايير الكفاءة كوسيلة لتحديد أسباب الفشل و النجاح و كيفية اختيار سياسات علي أسس موضوعية و بالطبع النتيجة الحتمية لا يسأل أحد عن ما حدث ويحدث في الاقتصاد و التجارة و النهب المقسم بين القبائل و تهريب الذهب، و هذا نظام غير قابل للمحاسبة والمساءلة و الأسوأ أنه لا يوجد فيه من يكترث حتى إذا مات الشعب السوداني برمته بل سيقولون أنه الخارج المتآمر على الدولة.
خلاصة القول يجب أن يتوقع الجميع أن الانهيار الاقتصادي الشامل، وليس تدهور سعر صرف الجنيه وحده، سيستمر بل اعتقد أنه لا قيمة للحديث عن سعر الصرف لأنه سوف لن يمضي وقت طويل قبل أن يتوقف الناس عن الحديث عن الاسعار بالجنية و سيصبح التسعير بالدولار أو بالمقايضة، الخيار الأخلاقي و المنطقي الصحيح هو البحث في سبل إيقاف الحـ رب وليس الهروب الى الأمام بالبحث عن خارج و مؤامرة خارجية أو حتى اللهث خلف أحد الداعمين الخارجيين في محاور الصراع الإقليمي لتقديم وديعة دولارية فحتى و لو فعلت احدى الدول فهذا سيكون بمثابة وضع لصقة في جرح كبير ينزف و هي مسألة وقت حتى تصبح كل هذه الحيل لا قيمة لها و هو ما قلنا به من قبل أن الواقع المادي من ضنك و جوع و فقر سيهزم أدوات الحـ رب الموازية، فهل يمكن أن تكون معاناة الناس التي بلغت ذروتها سببا في تفكير جدي في إيقاف الحـ رب قبل أن يكون الموتي بالملايين و أن تتحول الناس الي كلاب ضالة تقتــ ـل بعضها البعض في سبيل لقمة العيش؟ فالانتصار الذي يتحدث عنه البعض كغاية حين يأتي تكون البلاد محض قبور، هنالك فرصة لانهاء هذه المعاناة و هي واضحة وتتمثل بالقبول بالهدنة الإنسانية المطروحة.
بكري الجاك
16 سبتمبر 2026
و نقترب من النصف الثاني من العام الرابع للحرب

زر الذهاب إلى الأعلى