
عبد الكريم البليخ
ليست الصحافة مهنة عادية يُمكن اختصارها في مكتب وحاسوب وخبر يُكتب على عجل، وليست وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات الدوام. إنها، في جوهرها، انحياز إلى المعرفة والسؤال، وإلى حق الناس في أن يعرفوا ما يجري من حولهم. ولهذا بقيت الصحافة، رغم كل ما أصابها من تحوّلات وأزمات، واحدة من أكثر المهن التصاقاً بحياة الناس ومصائرهم.
في الصحافة شيء من القلق الدائم؛ فالصحفي الحقيقي لا يكتفي بما يراه، ولا يطمئن بسهولة إلى الرواية الأولى. يسأل، ويدقّق، ويعود إلى التفاصيل، ويبحث عن ذلك الجزء الصغير الذي ربّما أغفله الجميع. وليس ذلك لأنه مولع بالشك، بل لأن الحقيقة غالباً لا تأتي كاملة من المرة الأولى، وقد تختبئ خلف تصريح رسمي أو رقم ناقص أو شهادة لم يُصغِ إليها أحد.
ولعلّ أجمل ما في الصحافة أنَّها تجعل صاحبها قريباً من الحياة في مستوياتها كلها. يدخل الصحفي أماكن قد لا يصل إليها الآخرون، ويجلس إلى مسؤول كبير في الصباح، ثم إلى عامل بسيط في المساء. يسمع لغة المكاتب الرسمية، كما يسمع وجع الشوارع والأحياء والأسواق. وبين العالمين يحاول أن يصنع نصاً لا يخون أحداً، ولا يُجامل أحداً، ويمنح كل طرف حقّه في الكلام من دون أن يتخلى عن حق القارئ في المعرفة.
الصحافة أيضاً ذاكرة الشعوب والمدن. فكم من حادثة كانت ستُنسى لولا خبر كُتب في وقتها، وكم من مظلوم ما كان صوته ليصل لولا صحفي آمن بأن قصته تستحق أن تُروى. وكم من قرية وشخصية ومكان بقي حاضراً في الذاكرة لأن أحدهم كتب عنه قبل أن يمر الزمن ويمحو آثاره. فالصحيفة القديمة ليست مجرد أوراق صفراء؛ إنها سجلّ للناس وأحلامهم وخيباتهم، ولتفاصيل الحياة التي قد لا تجد طريقها إلى كتب التاريخ.
لكن الصحافة ليست بطولة دائمة، ولا الصحفي فارساً بلا أخطاء. ففيها الضعف كما في كل مهنة، وفيها الطموح الشخصي والمنافسة، وربّما التملق والانحياز والسعي وراء الشهرة. غير أن قيمة الصحافة لا تُقاس بأسوأ من يمارسها، بل بأفضل ما تستطيع تقديمه حين تكون حرة ومسؤولة ونزيهة، وحين يُدرك الصحفي أن الكلمة التي يكتبها قد تنصف إنساناً أو تسيء إليه، وقد تهدئ مجتمعاً أو تشعل فيه فتنة.
ومن هنا تأتي جسامة المسؤولية؛ فالصحفي لا يتعامل مع كلمات جامدة، بل مع سمعة الناس وحقوقهم وحيواتهم. وقد يكون خطأ صغير في اسم أو صورة أو اتهام سبباً في أذى لا يمكن إصلاحه بسهولة. لذلك لا تكون المهنية ترفاً، ولا الدقّة مجرد قاعدة تحريرية، بل تصبحان واجباً أخلاقياً يحمي الناس ويحفظ للصحافة احترامها.
والمفارقة أن الصحافة اليوم أصبحت أكثر ضرورة في الوقت الذي غدت فيه أكثر عرضة للتشويه. لقد منحت وسائل التواصل الجميع حق الكلام، لكنها لم تمنح الجميع أدوات التحقّق. أصبح الخبر ينتشر في ثوانٍ، والشائعة تسبقه أحياناً، وصار الحكم يُطلق قبل اكتمال الوقائع. ويعمل الصحفي في بيئة لا يكفي فيها أن يكون سريعاً؛ بل يجب أن يكون سريعاً ودقيقاً في الوقت نفسه، وهي معادلة صعبة، لكنها الفارق بين الصحافة والفوضى.
لهذا فإن الصحافة الجيدة اليوم ليست مجرد نقل لما حدث، بل فرز لما يستحق أن يُصدَّق من بين سيل هائل من الصور والتصريحات والادعاءات. إنها محاولة لإعادة النظام إلى الفوضى، ووضع الأحداث في سياقها، وشرح ما وراء الأرقام والشعارات، حتى لا يبقى القارئ أسير الانفعال أو التضليل.
وفي زمن أصبحت فيه الشهرة أسرع من المعرفة، صار دور الصحفي الحقيقي أكثر تعقيداً. لم يعد مطلوباً منه فقط أن يكتب خبراً جيداً، بل أن يقاوم الإغراء أيضاً: إغراء العنوان المضلل، والسبق غير المتحقق، وإرضاء الجمهور على حساب الحقيقة، والاقتراب من أصحاب النفوذ على حساب البسطاء. فالمصداقية لا تُبنى في يوم واحد، لكنها قد تنهار بسبب خبر واحد غير مسؤول.
إن أجمل ما في الصحافة أنها لا تمنح صاحبها اليقين الكامل، بل تُبقيه في حالة بحث دائم. وكلما ظن أنّه عرف الناس، اكتشف وجهاً جديداً لهم، وكلما ظن أنه فهم المجتمع، باغتته الحياة بقصة أخرى.
إنها مهنة تعلّم التواضع؛ لأن الحقيقة أوسع من زاوية واحدة، والناس أكثر تعقيداً من أن تختصرهم عبارات جاهزة.
ولهذا قد تكون الصحافة مُتعَبة إلى حد القسوة. تأخذ من الوقت، وتسرق من الراحة، وتضع صاحبها أمام قصص موجعة، وتجعله أحياناً شاهداً على ما يتمنى لو لم يره. لكنها، في المقابل، تمنحه شعوراً نادراً بأنه كان حاضراً في زمنه، وأنّه لم يمر به مرور الغريب، بل ترك شهادة تقول إن هذه الوقائع حدثت، وإن هؤلاء الناس عاشوا وتألموا وحلموا.
فالصحفي الحقيقي لا يحتاج إلى مديح كثير. يكفيه أن يكتب خبراً فيرفع ظلماً، أو يفتح ملفاً فيدفع مسؤولاً إلى التحرك، أو يحفظ قصة إنسان من النسيان. ويكفيه، بعد سنوات طويلة من العمل، أن يظل قادراً على التمييز بين القرب من أصحاب السلطة والقرب من الحقيقة.
فالصحافة، في أفضل صورها، ليست مجرد مهنة؛ إنها ضمير يقظ، وذاكرة لا تنام، ورسالة تنحاز إلى الإنسان.



