
( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي..
الحروب، وإن كانت مراراتها المأساوية الأكبر تأثيراً تقع في ميادين القتال بين القوات المتحاربة، وما يترتب على ذلك من إزهاق للأرواح ودمار للممتلكات، إلا أن لها إفرازات أخرى لا تقل مأساوية، تتمثل في الكوارث الإنسانية التي يدفع ثمنها الناس البسطاء الذين ليس لهم في عير هذه الصراعات الدموية ولا نفير، ولا ناقة لهم فيها ولا جمل.
أما على صعيد التبعات الأخرى، خارج ميادين القتال وفي الحيز الاجتماعي والسياسي، فإن الحرب تفرض نوعاً آخر من السجال المدني البعيد عن الميدان العسكري، والذي يلهث فيه كل طرف، سواء كان سياسياً أو دبلوماسياً مباشراً، منحازاً إلى أحد طرفي الصراع العسكري أو مؤيداً للآخر، أو حتى محايداً يقف في منطقة الدعوة إلى إيقاف الحرب، مشكلاً فريقاً يرفع راية السلام.
فإن هذا النوع من الحرب، لا سيما في الفضاءات الخارجية لبلاد القتال نفسها، وعبر المنظمات الإقليمية والدولية، يأخذ أحياناً طابعاً ناعم اللغة، وفي أحيان أخرى يبلغ درجة من الخشونة، من خلال تبادل اتهامات العمالة أو الخيانة، بما يستهدف تكسير الأجنحة، وقتل الشخصية الاعتبارية للكيانات، أو استهداف شخصيات بعينها، وغير ذلك مما نشهده منذ اندلاع حربنا هذه.
إن الأزمة الأخيرة التي تصاعد دخانها على خلفية عدم منح الولايات المتحدة الأمريكية الفريق عبد الفتاح البرهان تأشيرة لدخول أراضيها لمخاطبة جلسات الجمعية العامة الدورية، قد شكلت ذروة ذلك الصراع في الأيام الأخيرة، وعلى المستوى الأبرز.
وقد وجهت وزارة الخارجية السودانية، عبر أذرعها الدبلوماسية المختلفة، وكذلك بعض الكتاب الموالين للحكومة والجيش، الاتهامات إلى القوى المدنية بأنها تقف وراء ذلك المنع، مستندين إلى تأثيرها في القرار الأمريكي.
ولعل ذلك، سواء كان حقيقة أو محض اتهام جزافي، فإنه بقدر ما يمكن أن يُعد ضربة من غير رامٍ تُحسب لتلك القوى التي وصلت إلى أبواب المنظمة الدولية خلال جلساتها الحالية، فإنه أمر سيُحسب أيضاً، بصورة غير مباشرة، على الدبلوماسية الحكومية الرسمية، إذا ما تحجرت في مربع البحث عن شماعة تعلق عليها قصورها في تحركات القوى الداعية إلى وقف الحرب، في مختلف الاتجاهات وشتى المنابر.
وهذا ما يتطلب من هذه الدبلوماسية الرسمية أن تنظر حولها، وأن تتحسس نقاط ضعفها التي تقوي من أجنحة خصومها، وصولاً إلى أبعد مدى في فضاءات هذا السباق المشروع لكل طرف.
وإلا فإن ذلك يذكرنا بالمثل الشعبي القائل، في ما معناه، إن الحشاش في كل حقل هو الذي يملأ شبكته أكثر؛ أي إن التركيز في سباق الحصاد الدبلوماسي، والانشغال بما يفعله الآخرون، لا ينبغي أن يصرف النظر عن الحقل الذي ينبغي حصاده، وعن الكيس الذي يُوضع فيه ذلك الحصاد.
فنجاح الصراع الدبلوماسي لا يتحقق بالبحث عن شماعة نعلق عليها إخفاقاتنا، وإنما بامتلاك أدواته، وتشخيص مواطن الضعف، وإحكام الحركة في ساحته، قبل أن نبحث عن أسباب النجاح عند الآخرين أو شماعات الفشل لديهم.
والله من وراء القصد.



