الأعمدة

*بين ضغط الهدنة ومأزق الإسلاميين: خيارات النجاة الأخيرة أمام البرهان

✍️ *مؤيد الأمين*
تزداد المؤشرات على أن الهدنة في السودان أصبحت وشيكة، ليس فقط بفعل الضغط المتنامي من المجتمع الدولي، بل بسبب التحرك الأكثر صراحة من الرباعية (الولايات المتحدة، الإمارات، مصر، والسعودية)، إضافة إلى دخول الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بخطاب حمل نبرة قاطعة تجاه مستقبل الحرب.
هذه التحولات وضعت الفريق عبد الفتاح البرهان أمام منعطف مصيري لم يعد يحتمل المراوغة التي اتسم بها طوال السنوات الماضية.
*مأزق البرهان: بين ضغط الخارج وابتزاز الداخل*
يواجه البرهان الآن معضلة مركبة:
من جهة، تطالب الرباعية بوقف إطلاق نار شامل وخطوات سياسية جادة، وتظهر حساسية عالية تجاه أي نفوذ إسلاموي داخل المؤسسة العسكرية.
ومن جهة أخرى، يُمسك الإسلاميون بمفاصل حساسة داخل الجيش والأمن، ويضغطون لتفجير أي مسار يؤدي إلى هدنة حقيقية، لأن الهدوء يعني نهاية نفوذهم.
والأهم أن الإسلاميين يدركون أن الرباعية وترامب لن يقبلوا بعودتهم إلى السلطة، وأن احتمالات تصنيف الجماعة الإسلامية كتنظيم إرهابي باتت مطروحة بقوة.
ولذلك أصبحت معركة الهدنة بالنسبة لهم معركة وجودية.
خيارات البرهان… مرحلة صفرية لا تقبل المراوغة
أمام البرهان ثلاثة مسارات محتملة، لكن واحداً فقط بينها قادر على إنقاذه بأقل الخسائر:
1. الاستمرار في التلون السياسي
هذا المسار الذي اعتمده البرهان سابقًا — كسب الإسلاميين من جهة، وطلب الشرعية الدولية من جهة أخرى — أصبح الآن عديم الجدوى لسببين:
الرباعية تراقب بدقة ولن تكتفي بوعود عامة.
أي بقاء للإسلاميين داخل القرار العسكري سيُفهم كخط أحمر دولي.
النتيجة: استمرار التلون سيقود البرهان إلى عزلة أكبر ويفتح باباً لمواجهة داخلية ودولية في آن واحد.
2. الارتهان الكامل للإسلاميين
خيار يحمل مكاسب قصيرة جدًا، لكنه كارثي على المدى المتوسط:
يعزل السودان دولياً ويضع الجيش تحت طائلة العقوبات.
يخلق انشقاقات داخل الضباط غير المنتمين للتيار الإسلاموي.
يدفع الرباعية إلى دعم ترتيبات بديلة خارج إرادة البرهان.
يجعل البرهان مجرد واجهة مؤقتة لمشروع لا يملك السيطرة عليه.
هذا المسار هو طريق مسدود، لأنه يُسلم مصير الجيش لتيار يعرف الجميع أنه لم يعد صالحًا للبقاء في المشهد.
3. الاصطفاف مع الشارع والعودة لمطالب الثورة — خيار النجاة الوحيد
على الرغم من صعوبته السياسية، فإن هذا الخيار يمنح البرهان أفضل مخرج ممكن، لأنه:
يُبعد عنه ابتزاز الإسلاميين ويعيد تشكيل قيادة عسكرية وطنية.
يكسب ثقة الرباعية ويقدمه كجزء من الحل.
يهيئ لمرحلة انتقالية بضمانات دولية تحفظ للجيش وضعه المؤسسي.
يخفف الضغوط الدولية ويحمي الجيش من التفكك.
ولكي يكون هذا المسار فعّالاً، يتطلب خطوات مباشرة:
1. فك الارتباط الجذري مع الإسلاميين وإبعادهم من مراكز القرار.
2. قبول هدنة شاملة بشروط واضحة ومتفق عليها دولياً.
3. إعلان خطة للعودة لمسار انتقال مدني قائم على مبادئ الثورة.
4. تمكين قيادة عسكرية غير مؤدلجة تشرف على تنفيذ الاتفاق.
5. السماح بآليات رقابة دولية على وقف إطلاق النار.
*الإسلاميون… الطرف الأكثر ارتباكاً في لحظة الهدنة*
بالنسبة للإسلاميين، فإن أي هدنة حقيقية تعني خسارة لعبتهم الرئيسية:
الفوضى والتشتت والحرب الطويلة.
لذا يتحركون في اتجاهات متعددة:
تعطيل أي تفاهم داخل الجيش حول الهدنة.
بث الشائعات لخلق فجوات بين القيادة العسكرية والرباعية.
إحداث توترات أمنية لإظهار الجيش كطرف غير قادر على الالتزام.
تصوير الهدنة كـ “استسلام” لتمزيق الإجماع عليها.
لكن هذه التحركات لم تعد تخفى على الرباعية ولا على واشنطن، ولا على حلفاء المنطقة، الذين باتوا يدركون أن أي تسوية لن تنجح ما لم يُرفع النفوذ الإسلاموي من المؤسسة العسكرية.
*خلاصة:*
*هل يستطيع البرهان النجاة؟*
الجواب: نعم، بشرط واحد — أن يتخلى عن سياسة التلون ويتخذ قرارًا استراتيجيًا بالاصطفاف مع الشارع.
المشهد أمامه واضح:
خيار الإسلاميين = عزلة وخسارة كاملة.
خيار الشارع = خروج آمن وتفاهم دولي وتخفيف الضغوط.
الهدنة القادمة لن تكون مجرد وقف لإطلاق النار، بل ستكون إعادة تشكيل كاملة للسلطة في السودان.
والبرهان يملك الآن الفرصة لاختيار مكانه في هذه الخريطة… قبل أن تختار القوى الدولية بديلًا عنه..

زر الذهاب إلى الأعلى