الأعمدة

كفى صمتاً.. أرواح شبابنا في مناطق التعدين ليست رخيصة

سُم الخياط
آية الغازي كشان
“حين تهون دماء المواطنين وتغيب بيانات الدولة الرسمية، تتحول المآسي إلى وصمة عار في جبين الصمت المطبق.”
تتوالى المآسي وتستمر الفجائع التي تهز وجدان الشعب السوداني في كل يوم، دون أن تتوقف عجلة النزيف عند حد.
غير أن الفجيعة الأحدث والأشد ألماً تمثلت في الحادثة المؤسفة التي استهدفت أبناءنا وإخواننا من الباحثين عن لقمة العيش في مناطق التعدين (الذهب) بالحدود (منطقة شمال الوادي)، إثر قصف جوي سافر نفذه الطيران المصري.
تفاصيل الحدث ومعاناة الميدان
شباب غادروا ديارهم يصارعون قسوة الظروف ومرارة الواقع في وطن ضاقت سبله بأبنائه، باحثين عن كسب حلال شريف يعينون به أسرهم المنهكة، فإذا بهم يجدون أنفسهم ضحايا لاستهداف مأساوي خلف مئات الشهداء والجرحى والمفقودين في مشهد يدمي القلب ويفطر النفوس.
تساؤلات مشروعة في بريد المسؤولية
إن هذا المصاب الجلل يطرح على طاولة الواقع تساؤلات مشروعة وموجعة ترفض التستر أو التجاهل:
أين الموقف الرسمي؟
لماذا آثرت الحكومة السودانية الصمت المطبق؟
لماذا غاب أي بيان رسمي ينعي هؤلاء الضحايا، أو يوضح حقائق ما جرى، أو يقف بجدية مع أسرهم المنكوبة أمام هذا الانتهاك الصارخ للسيادة وأرواح المواطنين؟
إن الشهيد هو شهيد الوطن بغض النظر عن جغرافيا استشهاده، وإن صمت الجهات الرسمية وعدم اكتراثها بمثل هذه الكوارث الجسام يعكس استهتاراً غير مبرر بأرواح المواطنين، وغياباً تاماً لأبسط مسؤوليات الدولة تجاه حماية سيادتها، وصون كرامة شعبها، ورعاية أبنائها.
بين ازدواجية الاستجابة وصمت المؤسسات: من يكتب تعزية المواطن العادي؟

لا يملك المتابع للوضع العام إلا أن يتوقف طويلاً أمام التباين الصارخ في طريقة تعاطي الجهات الرسمية والجهات الأمنية مع الأحداث والنوائب التي تخص المواطنين.

فحين يقع مكروه لشخصية نافذة أو أحد أبناء المسؤولين، تتسابق مؤسسات الدولة ووزاراتها المعنية وفي مقدمتها وزارة الخارجية والجهات الأمنية لإصدار بيانات النعي العاجل، بل وتتبارى في زيارة أسر المفقودين أو الضحايا، موثقةً تلك اللحظات بالصور والرسائل الرسمية التي تعكس “اهتمام الدولة”.

لكن هذا الحضور الطاغي يتبخر تماماً حين يكون الضحية مواطناً عادياً لا يملك منصباً ولا نسباً مسؤولاً؛ إذ يلف الصمت أروقة الوزارات، وتغيب البيانات التوضيحية، وتتلاشى أي مبادرات رسمية للتعزية أو المواساة.
هذا الغياب المبرر في أذهان صانع القرار وغير المبرر في ضمير الشارع، يترك خلفه أسئلة مشروعة وموجعة حول معيار المواطنة المتساوية: أليست دماء المواطنين سواسية أمام القانون وأمام الضمير الإنساني للدولة؟
إن هذا التميز غير المعلن يكرس هوة ثقة عميقة بين الشارع والمؤسسات الرسمية، ويؤكد أن الرعاية والتقدير في كثير من الأحيان مرتبطان بالحصانة والموقع لا بإنسانية الإنسان.
وحين تغيب الدولة عن مواطنيها في لحظات الفقد، فإنها لا تخسر فقط صلة الوصل الأخلاقية معهم، بل تفتح الباب واسعاً أمام مشاعر الإحباط والغبن الجمعي التي لن تُمحى بمجرد الصمت أو التجاهل.
الخاتمة والموقف
إن المواطن السوداني، الذي بات يتحمل وزر الأزمات اليومية وتكلفة الفشل، لا يطلب المستحيل؛ بل يطلب أبسط حقوقه الإنسانية والمشروعة: الأمان، والتقدير، والاحترام لدمه وحياته التي هانت على الجميع.
رحم الله شهداء لقمة العيش الأبرار، وتقبلهم في أعلى عليين مع الصديقين والشهداء، أعاد كل مفقود إلى أهله سالماً معافى، وعاجل الشفاء للجرحى والمصابين.
ويبقى النداء قائماً، مدوياً، وواضحاً:
كفى صمتاً، وكفى استهتاراً بأرواح المواطنين.. فحياة الإنسان السوداني ليست رخيصة ليتم تجاوزها وتفريغ دمه في سوق اللامبالاة الرسمي.

زر الذهاب إلى الأعلى