
بقلم: محمد كندشة
إن الشعبية التي يتوهمها البرهان ليست شعبية على الحقيقة وإنما هي زيفٌ مصنوعٌ على أعين السلطة في جمبات ستات الشاي ومجالس العرديب وحواري الدافوري حيث يباع الوهم ويشترى الهتاف وحيث ينفخ إعلام مأجور في دخان فيظن صاحبه أنه يظلل شعبا وما هو إلا سراب يحسبه الظمآن ماء وقد تهاوى هذا السراب دفعة واحدة وانكشفت سوءته وسقطت ورقة توته الأخيرة حين أغار طيران حربي مصري على مواطنين سودانيين عزل لا يحملون إلا معاولهم يفتشون عن لقمة عيشهم في بطن صحرائهم فكان حريا بمن يدعي حماية السيادة أن ينهض لحمايتهم من أي مهدد خارجي لكنه لم يفعل بل لاذ بصمت القبور.
وما كان هذا الصمت صمت فرد بل كان صمت منظومة كاملة تواطأت على الخذلان فصمت البرهان صمتا مريبا وصمتت معه حكومة تسمي نفسها حكومة الأمل وهي حكومة بلا أمل وصمت أطراف سلام جوبا الذين اتجروا بقضايا الهامش ليشتروا مقاعد في سلطة بورتسودان وصمت الإعلام الرسمي الذي تحول إلى بوق يردد رواية العدو وصمت نشطاء الميديا الذين ملأوا الدنيا ضجيجا عن السيادة والكرامة فلما جد الجد خرست ألسنتهم كأن على رؤوسهم الطير.
إن هذا الصمت المدوي لا يحتمل تأويلين فهو إقرار صريح بأن الأمر ليس بأيدينا وأن السودان قد غدا في حكم الواقع محافظة مصرية تدار من غرفة عمليات القاهرة وأن جيشه الذي طالما استأسد على شعبه وأذله في الشوارع والميادين ليس إلا فرقة صغيرة من فرق الجيش المصري تأتمر بأمر السيسي ولا تملك أن تخالف له توجيها ولا أن ترد له إشارة.
لقد كنا نردد أننا دولة مستقلة ذات سيادة فإذا بنا نستيقظ على حقيقة مرة أن استقلالنا حبر على ورق وأن سيادتنا تنتهك في وضح النهار وبطائرات يقال إنها شقيقة فأي أخوة هذه التي تقصف أبناءنا وأي سيادة هذه التي تخرس أمام قصفهم.
إن ما يعيشه الشعب السوداني اليوم هو ذات المرارة التي تجرعها يوم فض الاعتصام أمام القيادة العامة نفس الخذلان ونفس الغدر ونفس الدم المسفوح بلا ثمن فالمئات من خيرة شباب السودان غدر بهم في عمق الصحراء فقتلوا مرتين مرة بنار الطيران ومرة أخرى بنار الصمت والخذلان فلا دولة نعتهم ولا جيش ثأر لهم ولا حكومة ترحمت عليهم حتى بكلمة خجولة وكأنهم لم يكونوا من هذا الوطن.
إن الدم الذي سفك في تلك الرمال ليس حادثا عابرا يطويه النسيان وإنما هو امتحان للسيادة والكرامة وقد رسب فيه الجميع وسقط فيه جيش يدعي حماية الحدود وهو أعجز من أن يحمي كرامة مواطن والتاريخ لا يرحم ولا ينسى.

