الأعمدة

حينما تصل الشرارة إلى ثياب الكبار!

متى ما اخترق سهمٌ عنقَ نمرٍ في الغابة، تحسست الأسود لبدات رقابها! مثلٌ منطقي، وإن لم يكن مأثورًا.

(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي
اليوم، وعقب الضربة التي أُعلن عن استهداف مطار الملك خالد في العاصمة السعودية الرياض وتاثره بها، لم تكن ردود فعل القوى الكبرى هذه المرة، بالضرورة، تعبيرًا عن التوجع من وقع الضربة أو التأثر بخسائرها البشرية والمادية وحدها، بقدر ما كشفت عن مخاوف أعمق من اتساع دائرة الصراع، واقتراب نيرانه من المصالح المباشرة لتلك القوى.
فالمملكة العربية السعودية، شأنها شأن بقية دول مجلس التعاون الخليجي، تعرضت خلال السنوات الماضية لهجمات متعددة منذ انطلاق العمليات العسكرية لتحالف عاصفة الحزم ضد جماعة الحوثي، التي تحظى بدعم إيراني معلن في سياق هذا الصراع، الذي امتد لما يقارب العقد من الزمان.
وقد ظل المشهد سجالًا عسكريًا يتراجع حينًا ويتصاعد حينًا آخر، على الرغم من التفاوت الكبير في موازين القوة، دون أن يفضي إلى حسم نهائي للصراع. وظلت تداعياته، في نظر كثير من القوى الكبرى، محصورة في نطاق إقليمي بعيد نسبيًا عن مصالحها المباشرة، الأمر الذي جعل مواقفها تتأرجح بين التدخل المحسوب والضغط الدبلوماسي، دون الانخراط الحاسم الذي ينهي الحرب.
غير أن ما نشهده اليوم من ردود فعل وتهديدات بفرض عواقب أشد على الحوثيين يكشف عن تحول في مستوى القلق الدولي؛ ذلك أن الخشية لم تعد محصورة في نتائج الضربة ذاتها، بل امتدت إلى احتمال اتساع دائرة الضرر لتطال حركة التجارة الدولية في مضيق باب المندب وممرات الملاحة في البحر الأحمر.
وتزداد هذه المخاوف تعقيدًا في ظل الاضطراب الذي تشهده الملاحة في مضيق هرمز، في سياق المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. وهكذا تتشابك بؤر الصراع، وتتقاطع مخاطرها على إمدادات الطاقة والتجارة العالمية، بما قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، ويضاعف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية داخل الدول الكبرى، ويضع حكوماتها أمام ضغوط داخلية قد تؤثر في حساباتها السياسية والانتخابية، ولا سيما في الولايات المتحدة.
وهنا تتجلى الحقيقة التي ينبغي أن يدركها أطراف الصراع في بلادنا المنكوبة بحرب عبثية طال أمدها واستفحل ضررها: إن اهتمام الكبار لا تحركه دائمًا فداحة المآسي الإنسانية، بقدر ما تحركه الأخطار التي تقترب من مصالحهم وتوقظ مخاوفهم.
فكم من حرب امتدت سنوات، وكم من شعب ذاق مرارات النزوح والجوع والدمار، دون أن تبلغ الاستجابة الدولية مستوى المأساة. وقد ظلت الحرب في اليمن، على امتداد سنواتها، مثالًا على محدودية القدرة الدولية أو الرغبة في وضع حد حاسم لمعاناة الناس، إلى أن أخذت تداعيات الصراع تقترب بصورة أشد من المصالح الإقليمية والدولية.
وهكذا يبدو أن العالم كثيرًا ما يتأخر في الاستجابة لأوجاع الشعوب، لكنه يسرع في التحرك حين يشعر بأن النار قد تمتد إلى ثيابه!
أما نحن في السودان، فيبدو أننا سننتظر طويلًا تلك اللحظة التي تدفع القوى الكبرى إلى تحسس أوجاعنا بجدية أكبر، ما دامت سهام حربنا لم تصب، في نظرها، موضعًا يؤلمها، ولم تبلغ نيران مأساتنا الحد الذي يجعلها ترى في استمرارها تهديدًا مباشرًا لمصالحها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل نظل ننتظر حتى تصل الشرارة إلى ثياب الكبار، أم ندرك أن وقف هذه الحرب وإنقاذ بلادنا مسؤولية وطنية لا يجوز تعليقها على حسابات الآخرين؟
ويا ليت قومي يستوعبون هذا الدرس البليغ.
والله من وراء القصد، وهو المعين لنا في غفلة زماننا التي استطال جرحها!

زر الذهاب إلى الأعلى