
بقلم/ إيهاب الأمين
شهدت الساحة الإعلامية السودانية خلال السنوات الماضية طفرة ملحوظة في مجال الصحافة الإلكترونية، حيث انتقلت العديد من المؤسسات من الورق إلى الفضاء الرقمي، وظهرت مواقع إخبارية عديدة، بل واعتمد بعضها على التوزيع اليدوي للملفات بصيغة (PDF). لكن رغم هذا الجهد المبذول، تطفو على السطح تساؤلات مشروعة حول جدوى هذا النموذج التقليدي: هل الصحافة الإلكترونية في السودان فاشلة؟ أم أن المشكلة لا تكمن في فكرة الرقمنة، بل في أدوات التوزيع؟
تكمن المعضلة الحقيقية في مفارقة غريبة يعيشها الصحفي السوداني يومياً، فعندما ينشر الصحفي مقاله على الموقع الإلكتروني للصحيفة، أو يشاركه عبر ملف (PDF)، فإنه غالباً ما يواجه جداراً من الصمت؛ فلا تفاعل يذكر، ولا تعليقات، وربما لا يتجاوز عدد القراء أصابع اليد الواحدة.
ولكن، وبمجرد أن يقوم نفس الصحفي بنشر نص مقاله مباشرة على صفحته الشخصية في فيسبوك أو عبر سلسلة تغريدات في تويتر (X)، حتى ينقلب الحال رأساً على عقب؛ فيجد المقال اهتماماً كبيراً، وتفاعلاً حياً، وتعليقات نقاشية، ونسراً واسعاً عبر خاصية النقل بالنسخ واللصق أو إعادة النشر.
وفي محاولة يائسة لمحاكاة هذا التفاعل، يلجأ العديد من الصحفيين والمؤسسات الإخبارية إلى حل تقليدي: نشر الروابط في قروبات الواتساب والتيليجرام. لكن هذه الممارسة تحولت إلى ما يشبه الرسائل المزعجة (الاسبام). لقد أدمن الصحفيون والمحررون نسخ الرابط ولصقه في عشرات المجموعات، ظناً منهم أنهم بذلك يحققون الانتشار، لكن الحقيقة المرة هي أن جمهور القروبات لم يعد يفتح هذه الروابط، بل يتجاهلها أو يكتم إشعاراتها.
الجهد والوقت الذي يبذله الصحفي في تسويق الرابط ونشره في المجموعات، لو تم توجيهه وبذله في صياغة المحتوى ونشره مباشرة على منصات التواصل، لوجد إقبالاً وانتشاراً أضعاف ما يجنيه من الروابط الميتة.
لفهم سبب هذا الفشل النسبي للصحافة الإلكترونية التقليدية في السودان، يجب أن ندرك كيف يتغير سلوك القارئ السوداني:
1/ الجمهور لا يترك منصته: القارئ السوداني يعيش الآن بالكامل داخل منصات التواصل الاجتماعي، فإذا طلب منه النقر على رابط والخروج من تطبيق فيسبوك أو تويتر للدخول إلى موقع إلكتروني، يمثل هذا عائقاً تقنياً ونفسياً ، يجعله يتراجع عن القراءة.
2. الخوارزميات : خوارزميات فيسبوك وتويتر مصممة اليوم لتقليل وصول المنشورات التي تحتوي على روابط خارجية، لأنها تريد إبقاء المستخدم داخل منصتها. لذا فإن نشر الرابط يعني عملياً أن الخوارزمية قد أخفت منشورك عن معظم متابعيك.
3. الصحفي هو البراند وليس الموقع ففي العصر الرقمي، لم يعد الجمهور يتابع الموقع الإلكتروني بقدر ما يتابع الصحفي نفسه. الناس تثق في قلم الصحفي وتتفاعل معه مباشرة، بينما الموقع الإلكتروني أصبح مجرد أرشيف وليس واجهة جذب.
إذن كيف ننقذ الصحافة الإلكترونية؟ الصحافة الإلكترونية في السودان ليست فاشلة في مضمونها، لكنها فاشلة في استراتيجيتها الرقمية، وللخروج من هذا المأزق، يجب على الصحفيين والمؤسسات إعادة رسم خارطة طريقهم:
اذهب إلى حيث يوجد الجمهور، توقف عن إرغام القارئ على الدخول إلى موقعك. انشر المقال كاملاً (أو ملخصاً شيقاً منه) مباشرة على فيسبوك، أو على شكل خيط (Thread) في تويتر. اترك الموقع الإلكتروني ليكون مجرد أرشيف أو لنشر التحقيقات العميقة والمحتوى المتعدد الوسائط.
بدلاً من قضاء ساعة في نشر الروابط على قروبات الواتساب، اقضِ هذه الساعة في إعادة صياغة عنوان المقال ليكون جاذباً للسوشيال ميديا، وإضافة صورة معبرة، وكتابة مقدمة تشويقية تجبر القارئ على التفاعل.
وتوزيع الملفات بصيغة PDF هو نموذج صحافة ورقية ميتة مُغلفة بغلاف رقمي، القارئ الرقمي يريد نصوصاً قابلة للنسخ، والبحث، والمشاركة، والتفاعل مع فقراتها، وليس تصفح ملف مغلق.
عندما يتفاعل الجمهور مع الصحفي، سيعرفون لاحقاً أن هذا المحتوى ينتمي لمؤسسة صحفية معينة، مما يخدم المؤسسة بشكل عضوي وغير مباشر.
علينا أن نعترف بأن الصحافة الإلكترونية في السودان تحتاج إلى ثورة في آلية التوزيع وليس فقط في آلية النشر، إن الإصرار على نموذج (الموقع الإلكتروني + نشر الروابط) هو بمثابة محاولة لبيع الصحف الورقية في عصر الفضاء الرقمي، وعلى الصحفي السوداني أن يدرك أن قلمه هو المنصة الحقيقية، وأن منصات التواصل الاجتماعي هي صحيفته اليومية، وأن الموقع الإلكتروني هو مجرد مكتبة يحفظ فيها إرثه. فقط حينها، سيتحول الجهد المبذول من مقبرة للروابط إلى ساحة حقيقية للتأثير والتفاعل.



