الأعمدة
أخر الأخبار

فادي السمردلي يكتب: لا تمنحونا شهادة في التعايش… تاريخنا يشهد لنا

كفى اختزالًا للأخوّة الأردنية في مصطلح «التعايش»، وكأننا جماعات متباعدة تبحث عن صيغة لقبول بعضها بعضًا، أو أطراف مضطرة إلى تقاسم وطن لا يجمعها سوى الجغرافيا! نحن في الأردن لا نحتاج إلى من يعلّمنا كيف نتعايش، لأننا لم نكن يومًا غرباء يحتاجون إلى اتفاق كي يعيشوا معًا نحن إخوة، شركاء في الأرض والتاريخ والمصير، ومسيحيون ومسلمون تجمعنا حياة واحدة وهوية وطنية لا تختصرها اختلافات المعتقد.

هناك فرق جوهري بين أن نعيش معًا، وأن يُقال لنا إن علينا أن نتعايش فالعيش هو الحياة بكل ما فيها من أخوّة ومودة وجيرة وشراكة وانتماء، أما التعايش فيُستخدم لوصف كيفية العيش مع الآخرين رغم الاختلاف. وهنا تكمن المسألة لماذا نضع أنفسنا في إطار يوحي بأننا أطراف مختلفة تحتاج إلى إدارة اختلافها، بينما الحقيقة أننا أبناء وطن واحد، لا يحتاج أحدنا إلى إذن من الآخر كي يكون شريكًا كاملًا فيه؟

إننا لا نرفض الاحترام المتبادل، ولا نقلل من أهمية حماية التنوع الديني، لكننا نرفض الترويج لمصطلح التعايش وكأنه اكتشاف جديد في مجتمعنا، أو إنجاز لم يتحقق بعد، أو وصفة يحتاج الأردنيون إلى استيرادها كي يتعلموا العيش معًا فما نعيشه في الأردن ليس مشروع تعايش ننتظر اكتماله، بل عيش مشترك أصيل، له جذور في تاريخنا وواقعنا ووجدان أبنائنا.

لم يجمع المسلم والمسيحي في الأردن اتفاق عابر، ولم تصنع علاقتهما شعارات المناسبات، بل جمعتهما تفاصيل الحياة وروابط المجتمع ومسؤولية بناء الوطن والدفاع عن استقراره. فالوطن ليس ملكًا لفئة دون أخرى، والأخوّة ليست منّة من أحد، والمواطنة ليست شهادة يمنحها طرف لطرف آخر.

ومن هنا، نرفض أن يُقدَّم الأردن وكأنه مجتمع يحتاج إلى إثبات قدرته على قبول أبنائه، أو أن يُختزل المسلم والمسيحي في طرفين متقابلين لا يجمعهما سوى التسامح لسنا في امتحان، ولسنا بحاجة إلى تزكية من أحد فتاريخنا المشترك شاهد، وحياتنا اليومية شاهد، وانتماؤنا الوطني شاهد.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله المصطلحات حين تُستخدم خارج سياقها هو أن تجعل الحقيقة تبدو وكأنها مشكلة، وأن تحوّل العلاقة الطبيعية بين أبناء الوطن إلى قضية تحتاج إلى تبرير. لذلك، فإننا نريد خطابًا وطنيًا يحترم واقعنا، ويعزز وحدتنا، ولا يصوّر أخوّتنا وكأنها مشروع هشّ ينتظر من يرعاه أو يمنحه الاعتراف.

ولا يعني ذلك أن مجتمعنا فوق الأخطاء، أو أن خطاب الكراهية لا يستوجب المواجهة بل إن حماية الأردن تقتضي التصدي لكل تحريض، وصون حقوق الجميع، وترسيخ المساواة والاحترام، من دون التشكيك في حقيقة العيش المشترك.

وفي ظل القيادة الهاشمية، سيبقى الأردن وطنًا يجمع أبناءه، مسيحيين ومسلمين على المحبة والانتماء والمسؤولية المشتركة، عصيًّا على الفتنة ومحاولات التفريق.

لا تمنحونا شهادة في التعايش فنحن لا نحتاج إلى مصطلح يعلّمنا كيف نعيش معًا، لأننا نعيش معًا بالفعل لا نتقاسم الوطن على مضض، بل ننتمي إليه معًا، ولا تجمعنا مجرد جيرة، بل تجمعنا أخوّة وطنية وتاريخ ومصير واحد.

تاريخنا يشهد لنا، وأردنيتنا تجمعنا؛ فنحن لا نتعايش مع إخوتنا، بل نعيش معا ويجمعنا وطن اسمه الأردن.

فادي السمردلي يكتب: لا تمنحونا شهادة في التعايش… تاريخنا يشهد لنافادي السمردلي يكتب: لا تمنحونا شهادة في التعايش… تاريخنا يشهد لنا

زر الذهاب إلى الأعلى