
تضع نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية الرئيس دونالد ترامب أمام حسابات سياسية وعسكرية معقدة، في ظل ضغوط إسرائيلية لاستئناف الضربات ضد إيران، بالتزامن مع وساطة قطرية تهدف إلى احتواء المواجهة.
وتثير خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس تساؤلات بشأن مستقبل الحرب، وما إذا كان ترامب سيسارع إلى اتخاذ قرار عسكري قبل تسلم الكونغرس الجديد مهامه في يناير 2027، أم يتجه نحو تسوية سياسية تخفف الأعباء الداخلية.
نافذة عسكرية قبل يناير 2027
لا تعني خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في الكونغرس فقدان ترامب صلاحياته العسكرية، لكنها قد تفتح الباب أمام رقابة برلمانية أكثر تشدداً على قرارات الحرب.
ومن المتوقع أن تشمل الضغوط السياسية ملفات تمويل العمليات العسكرية، وتكاليف المواجهة، والأهداف التي تسعى الإدارة الأمريكية إلى تحقيقها.
وتكتسب الفترة الممتدة بين الانتخابات وانعقاد الكونغرس الجديد أهمية خاصة، إذ تتيح لإدارة ترامب التحرك قبل انتقال رئاسة اللجان البرلمانية ومواقع الرقابة إلى الديمقراطيين.
لكن ذلك لا يمنح الرئيس تفويضاً مفتوحاً للتصعيد، كما أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لا تعني قدرتهم تلقائياً على إيقاف العمليات العسكرية.
وكان مجلس الشيوخ قد رفض في سبتمبر الماضي محاولة لتقييد استمرار العمليات العسكرية ضد إيران دون موافقة الكونغرس، في مؤشر على استمرار الخلاف بشأن الصلاحيات الرئاسية.
الوساطة القطرية في مواجهة التصعيد
بالتزامن مع التطورات الانتخابية، تتواصل التحركات الدبلوماسية التي تقودها قطر للتوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران.
وتتناول المقترحات المتبادلة إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، وتخفيف الحصار البحري، إلى جانب بحث العقوبات والأموال الإيرانية المجمدة.
وبحسب تقارير غربية، ناقش الوسطاء مقترحاً إيرانياً لتقليص الجدول الزمني لتنفيذ التفاهمات من سبعة أيام إلى يومين.
ويقضي المقترح باتخاذ واشنطن إجراءات في اليوم الأول، مقابل إعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة في اليوم التالي.
لكن الخلافات لا تزال قائمة بشأن رفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية، وإنهاء الحصار، ووقف العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب.
وزادت الضربات الأمريكية المحدودة التي استهدفت مواقع إيرانية قرب مضيق هرمز من تعقيد المشهد، خصوصاً أنها تزامنت مع الاتصالات الدبلوماسية غير المباشرة.
وفي المقابل، أكد ترامب استعداد القوات الأمريكية للتحرك عسكرياً عند الضرورة، مشيراً إلى عدم وجود استعجال لتنفيذ ضربات جديدة.
طهران تخشى استخدام المفاوضات غطاءً للحرب
يرى الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الإيرانية، الدكتور فراس إلياس، أن طهران تتعامل بحذر مع الرد الأمريكي على المقترح القطري.
ويقول إلياس إن إيران تخشى أن تكون التحركات الدبلوماسية جزءاً من خداع استراتيجي، يهدف إلى كسب الوقت قبل تنفيذ هجوم عسكري جديد.
ويشير إلى أن أزمة الثقة بين واشنطن وطهران تجاوزت الخلاف بشأن شروط التفاوض، وأصبحت معضلة استراتيجية تعقد فرص الوصول إلى تفاهم مستدام.
ويعتبر أن الوساطة القطرية قد تنجح في تأجيل المواجهة، لكنها لا تضمن منع تجددها.
ويحذر من احتمال أن تعتقد طهران أنها تقترب من تسوية سياسية، بينما تكون واشنطن بصدد استكمال استعداداتها لعملية عسكرية جديدة.
وتأتي هذه المخاوف في ظل تحذيرات إيرانية من استغلال المفاوضات لتغطية عمليات عسكرية، مع تأكيد الاستعداد للرد على أي هجمات جديدة.
نتنياهو يضغط لاستئناف الضربات ضد إيران
على الجانب الإسرائيلي، كشفت تقارير إعلامية أمريكية عن ضغوط مارسها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على ترامب، لدفعه نحو تنفيذ موجة جديدة من الضربات العسكرية ضد إيران بعد الانتخابات.
وبحسب تلك التقارير، ناقش نتنياهو مع الرئيس الأمريكي إمكانية شن حملة جوية واسعة، بينما فضل ترامب منح المفاوضات فرصة إضافية قبل اتخاذ قراره النهائي.
ويعكس هذا التباين اختلافاً في تقدير كلفة الانتظار؛ إذ تخشى إسرائيل أن تمنح المفاوضات إيران فرصة لإعادة بناء قدراتها، بينما تواجه واشنطن اعتبارات اقتصادية وسياسية، تتعلق بأسعار الطاقة وتكاليف الحرب والرفض الداخلي لاستمرارها.
كما أن أي تصعيد جديد قد يوسع نطاق المواجهة ليشمل لبنان والعراق والممرات البحرية، بما يضيف أعباء عسكرية واقتصادية على الولايات المتحدة.
الحرب أم التسوية.. ما خيارات ترامب؟
تضع نتائج الانتخابات ترامب أمام مسارين رئيسيين، لكل منهما تداعياته السياسية والعسكرية.
فاستئناف الضربات قد يتيح للإدارة الأمريكية محاولة فرض شروط جديدة على طهران قبل بدء عمل الكونغرس الجديد، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تصاعد الانقسام الداخلي وزيادة تكاليف الحرب.
في المقابل، قد يمنح التوصل إلى اتفاق ترامب فرصة لتقديم إنهاء المواجهة باعتباره إنجازاً سياسياً، غير أن ذلك يتطلب تفاهمات متبادلة لا تزال الخلافات بشأنها قائمة.
ولا يعني تراجع النفوذ الجمهوري داخل الكونغرس بالضرورة تخفيف الضغوط الأمريكية على إيران، إذ يمكن للديمقراطيين الاعتراض على إدارة الحرب، مع استمرار دعم العقوبات والقيود المتعلقة بالبرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين.
وبين الضغوط الإسرائيلية والتحركات القطرية والتحذيرات الإيرانية، تدخل المواجهة مرحلة تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية الأمريكية.
ويبقى السؤال المطروح: هل يستثمر ترامب الفترة المتبقية قبل يناير 2027 لتوسيع العمليات العسكرية، أم يتجه إلى تسوية تنهي الحرب قبل انتقال مراكز الرقابة البرلمانية إلى الديمقراطيين؟
وفي ظل استمرار الخلافات بين واشنطن وطهران، تواجه الوساطة القطرية تحدياً يتمثل في تحويل التهدئة المؤقتة إلى اتفاق قابل للتنفيذ، قبل انهيار المسار الدبلوماسي وعودة المواجهة العسكرية.



