الأعمدة
أخر الأخبار

(بناء الإنسان ) علي مشالي

يعرف الكثير منا بإن حياة الدولة الناجزة لا يمكن لها البدء مالم نهتم ببناء الإنسان الناجز فيها والذي يكون أساس قيامها وقوة وجودها، فالمؤسسات الرصينة مهما بلغت قوتها ودقة وضبط قوانينها الا انها لا يمكن باي شكل من الأشكال إن تعمل من تلقاء ذاتها وإنما تسير عجلتها بحسب ما يريد الإنسان الذي يديرها ويلتزم بقوانينها ويراقب صحة ادائها من اخفاقها، فالدولة المراد تماسكها واستقرارها تعتمد بشكل اساسي على فهم الإنسان ومحاولة معرفة تكوينه ومدى أهمية وجوده داخل مجتمعه، حتى تكون بذلك حركة التقدم التي تطمح إليها الدولة سائرة في طريق صحيح، فالانسان اس تشكيل المجتمع والمجتمع أساسه الذي يشارك في تكوينه وابراز دوره وتوجيه سلوكه، وبهذا الصدد يقترح السيد الصدر الأول محمد باقر (رض) في خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء اقتراحا للتصور الإنساني يتم تأسيسه على أساس الاستخلاف والأمانة في مجتمعه، فالانسان في نظره لا يمكن إن يكون منفصلا عن بقية وجوده البشري داخل حيزه المكاني بل جزءا من تحمل المسؤولية في الخلافة للأرض، حيث يبرز مدى أهمية مكانة الإنسان وقدرته على تحمل المسؤولية والأمانة وفق مقتضيات حياته، بينما يشير اميل دوركايم إلى مفهوم الكائن الإجتماعي داخل الإنسان وهو ما يقصده بمنظومة متكاملة من المشاعر والافكار والعادات والقيم التي تساعد وجوده على الانخراط في الحياة المجتمعية، فطبيعة الإنسان وفق رؤية دوركايم بأنه لا يكتسب اي انسان مقومات حياة اجتماعية بصورة منفردة عن البقية وإنما توجد قدرة على انشاء نقل الخبرات والمعايير من الجماعة المحيطة به، وبين الفكرتين تتضح معالم واضحة من مقدمتنا بإن الإنسان البشري كائن غير متلق فقط بل صاحب مسؤولية وقدرة على صناعة واقع يناسب دولته ومجتمعه وبيئته، وبذلك فإن اي مشروع قائم لا يمكن إن يتجاوز الإنسان في المجتمع.

وعليه مادام الإنسان هو المحور والاس في اي مشروع واساسه في مجتمع ودولة فأنه لا يمكن بناءه من جهة واحدة ولا لمؤسسة واحدة لها القدرة على ذلك وانشاءه وتكوينه وصقله، فالانسان ودورته الحياتية يمر بمراحل مختلفة التداخل، فتؤثر فيه اسرته ومدرسته ومجتمعه ومؤسسته الدينية والثقافية والسياسية والاعلامية فضلا عما يوضع داخل دولته من قوانين وضوابط موجودة.
فالاسرة هي الميزان الاول الذي يوضع فيه كفة الثقة والاحترام والانضباط وتحمل المسؤولية، ثم تدخل حياته في مرحلة المدرسة التي تعمل على توسيع مداركه وتقوية معرفته وتساعد في التفكير الذهني الذي يتسع عند وفق هذه المرحلة، بينما تعمل المؤسسات الدينية والثقافية في ترسيخ المعاني الاخلاقية والقيمية التي تفتح له محطات المسار الصحيح، بينما يكون الإعلام الراعي الرسمي لتوجيه الاهتمامات ورعاية الصور الذهنية، ولا يعني بكل تأكيد اختلاف المؤسسات المعنية أعلاه في حياة الإنسان وتعددها إعفاء الدولة من مسؤوليتها والمتابعة وتنظيم سياساته العامة وتقريب دور المؤسسات المختلفة.
والجدير بالذكر فإن الصدر الأول لا يشير فقط إلى مسؤولية الفرد وحده بل يذهب من الفردانية إلى الجماعاتية في الاستخلاف، وفي هذا يمكن الفهم بإن مسؤولية للبناء والإصلاح المتأمل في اي دولة ناجزة من خلال الإنسان يأتي بعدم ترك الفرد وحده بل بتوزيع الأدوار بين تلك المؤسسات.

بيد الإشارة بوضوح إلى أن اهلية البناء لهذه البناء يجب أن تحضر وتكن موجودة، فلا يستطيع إن يربي الإنسان من لا يتحمل المسؤولية، ولا من يقود عملية الإصلاح الواسع إلى عدم امتلاكه المعرفة الكافية بمشاكل مجتمعه.
والمهم عندما نتحدث عن البناء للإنسان فأنه ليس غاية شكلية ولا مشروعا لانتاج مجموعة من البشر متشابهين في تفكيرهم ووجدانهم، بل يراد إن يكون عملا يمكن ويؤهل الإنسان على اداء دور مثالي في مجتمع ناجز ودولة ناجزة بكل وعي ومسؤولية وارادة وقدرة على تمييز خياراته حتى يتحملها في وقت آخر.
وفي كتابه (التربية الاخلاقية) يشير اميل دوركايم إلى عناصر أساسية في تكوين سلوك وأخلاق الإنسان ومنها روح الانضباط والارتباط بالجماعات الإجتماعية واستقلال الإرادة وهذا لا يعني العنصر الأخير بأنه إشارة عميقة إلى الانفصال عن المجتمع والتعامل برفض ضوابطه وقوانينه وإنما القدرة على إن يتعلم فهم القواعد التي تحكم حياته وتدير مبرراته العقلية بدلا من الخضوع بدون وعي.
ومن الإشارة إلى أن الشهادة الأكاديمية والتحصيل الدراسي لا تجعلان بناء الإنسان كاملا بل هي وسيلة أساسية لتعلم واكتساب المعرفة والتفكير والتوسع الذهني، لذا فإن الغاية ليست ببناء إنسان مطيع ولا متمرد على كل قاعدة أو ضابطة وإنما بإنسان واع منضبط قادر على الاستقلال في التفكير وينتفع بتحويل قيمه إلى فعل نافع.

والإنسان بشكل عام عندما يكتسب الوعي والمسؤولية ينتقل من الفردانية إلى المجموع وتبدأ علاقته تتوطد مع مؤسساته وأفراد مجتمعه ودولته المنتمي إليها، فالمجتمع بصورة عامة لا يمكن إن يتماسك بمجرد وجود أفراد في مساحة جغرافية معينة وإنما يكون بوجود روابط من الثقة والمصلحة المشتركة والشعور بالمسؤولية، وهذا نابع من قوة ودور الإنسان ومكانته في مجتمعه.
اما في الدولة فقد تظهر قوة للإنسان بتحويل سلوكه الوظيفي والمهني في المؤسسات من مجرد وجودها كهياكل مملؤة دون عمل إلى أجهزة واقعية الوظيفة بكفاءة ونزاهة، فالمؤسسة كما أشرنا ليست بقوانينها وإنما بمن يديرها بكفاءة ومسؤولية.
وبذلك تتصل عملية بناء الإنسان بعد ما ذكر بطبيعة القيادة التي ينتجها المجتمع والدولة، فالقيادة ليست موقع أو سلطة وإنما مسؤولية تعرف الواقع والعمل وتتحمل اتخاذ القرار ونتائجه حتى تكون بذلك بنية المجتمع والدولة أكثر رصانة بوجود انسانها القيادي المؤهل.
وهذا بطبيعة الحال يفتح الباب لتلازم عملية بناء الإنسان والمجتمع من جهة والدولة من جهة أخرى، فلا يمكن بناء مؤسسات قوية ومجتمع قوي مؤهل من دون وجود إنسان ناجز له ادوات ومعايير وقيم الانضباط والنزاهة والوعي حتى تضمن كافة الحقوق وتكون البيئة محاطة بدائرة من العدالة(بناء الإنسان )

علي مشالي والاستقامة.

ختاما فإن عملية بناء الإنسان في جوهرها ليست إعداداً كي يعيش داخل الدولة والمجتمع وإنما تمكين لكي يشارك في تشكيلها وتطويرها ويذهب بيده إلى الإنجاز ويؤسس دولة ناجزة.

(بناء الإنسان )

علي مشالي

زر الذهاب إلى الأعلى