تقارير

الجوع في أرض الوفرة : الحرب تدمر منظومة الغذاء في السودان، والنينيو تضرب الموسم الزراعي، وتحذيرات من اتساع رقعة المجاعة خلال 2027

في أرض النيلين، حيث تجري الأنهار وتنبسط الأراضي الزراعة على مساحات شاسعة تضاهي مساحة دول بأكملها، وتُقدّر ثروتها الحيوانية بنحو 150 مليون رأس، يواجه ملايين السودانيين خطر الجوع والمجاعة. مفارقة قاسية تختصر مأساة بلد يمتلك مقومات وفيرة لإنتاج الغذاء، لكنه يعجز عن توفيره لملايين من سكانه.
منذ بداية الحرب في أبريل 2023، تعرضت المنظومة الغذائية في السودان لضربات متتالية، دُمرت قدرات إنتاجية، وتعطلت أسواق وطرق إمداد، ونزح ملايين المزارعين والرعاة، فيما جعل القتال والحصار وصول الغذاء إلى مناطق واسعة أمراً بالغ الصعوبة. واليوم، تأتي ظاهرة النينيو لتضيف تهديداً جديداً، مع تراجع الأمطار وتضرر الموسم الزراعي في مناطق واسعة، في وقت تتقلص فيه المساعدات الإنسانية وتتزايد التحذيرات من اتساع رقعة المجاعة خلال عام 2027.
ووفق أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، الصادر في 14 مايو 2026، يواجه نحو 19.5 مليون شخص، أي ما يعادل 41% من سكان السودان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، تشمل نحو 14 مليون شخص في مرحلة الأزمة، وأكثر من خمسة ملايين في مرحلة الطوارئ، ونحو 135 ألفاً في مرحلة الكارثة، وهي أعلى مراحل التصنيف.
وقد حدد التحليل وقت صدوره 14 منطقة في ولايات شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان مناطق معرضة لخطر المجاعة في حال تصاعد القتال واستمرار القيود على وصول المساعدات وحركة السكان والسلع. وكانت لجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف قد أكدت في نوفمبر 2025 وجود ظروف المجاعة في مدينتي الفاشر وكادوقلي.
النينيو تضرب الموسم الزراعي
تتمثل التطورات الأكثر إثارة للقلق في الظروف المناخية التي شهدها السودان خلال موسم الأمطار لعام 2026، الذي يمتد عادة من يونيو إلى سبتمبر، إذ سجلت مناطق واسعة عجزاً في معدلات الهطول المطري، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وطول فترات الجفاف.
ووفق تقرير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)، شهد الموسم الزراعي عجزاً ملحوظاً في الأمطار، خصوصاً في المناطق الجنوبية الشرقية التي تمثل أحد أهم مراكز إنتاج الحبوب في البلاد. وانخفضت معدلات الهطول في ولايتي سنار والقضارف بنحو 20% و30% على التوالي مقارنة بالمعدلات التاريخية، وهما ولايتان تسهمان معاً بنحو ربع إنتاج السودان من الذرة الرفيعة، أحد أهم المحاصيل الغذائية الأساسية.
وفي تقرير خاص صدر في أكتوبر 2026، ذكرت شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) أن كميات الأمطار خلال موسم يونيو–سبتمبر كانت أقل من المعدلات الطبيعية بصورة كبيرة، وأن بعض مناطق شمال السودان سجلت مستويات هطول لا تتجاوز 45% من المعدل المعتاد.
أما البيانات التي استندت إليها وكالة رويترز من هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، فتشير إلى أن أمطار الفترة بين يوليو وسبتمبر كانت الأدنى على مستوى السودان خلال أكثر من ثلاثة عقود. وفي شمال دارفور، سجلت الأمطار أدنى مستوياتها منذ عام 1984، وهو العام الذي شهد واحدة من أسوأ المجاعات في تاريخ السودان. كما سجل شمال كردفان أدنى معدل له منذ عام 1990، والقضارف منذ عام 1991.
وتؤثر هذه الظروف في مراحل أساسية من نمو المحاصيل، بدءاً من الإنبات وتكوين الجذور وصولاً إلى اكتمال النمو والإنتاج. كما يؤدي نقص الأمطار وارتفاع الحرارة إلى تدهور المراعي، ما يهدد الثروة الحيوانية ويزيد الأعباء على المجتمعات التي تعتمد على الزراعة والرعي.
وتتوقع FEWS NET أن تكون الخسائر الزراعية الأكثر حدة في المناطق المتأثرة بالنزاع، خصوصاً شمال دارفور وإقليم كردفان، مع امتداد التأثيرات إلى أجزاء من جنوب دارفور وشرق دارفور. وترجح الشبكة أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها خلال الفترة من يونيو إلى سبتمبر 2027.
وتحذر تقديرات برنامج الأغذية العالمي من أن تداعيات الجفاف قد تدفع 350 ألف شخص إضافي إلى مستويات الجوع الحاد بحلول نهاية عام 2026، فيما قد يرتفع العدد إلى 1.2 مليون شخص إضافي بحلول أغسطس 2027. وتعكس هذه التوقعات حجم التهديد الذي يواجه السودان، خصوصاً مع تزامن تراجع الإنتاج الزراعي مع تقلص المساعدات الإنسانية واستمرار الحرب.
الحرب أضعفت قدرة السودان على مواجهة الجفاف
لكن العجز المطري وحده لا يفسر حجم المخاطر التي تواجه السودان. فالحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات ألحقت أضراراً واسعة بالنظام الغذائي، وقلصت قدرة المزارعين والتجار والأسر على التعامل مع الأزمات المناخية.
وأدى القتال إلى نزوح ملايين السكان، بينهم مزارعون فقدوا أراضيهم ومعداتهم ومصادر دخلهم، كما تعطلت الأنشطة الزراعية في مناطق واسعة بسبب انعدام الأمن وصعوبة الوصول إلى الحقول ونقص الوقود والبذور والأسمدة والتمويل.
وتقدر منظمة الأغذية والزراعة عدد النازحين داخلياً بنحو 8.6 مليون شخص حتى نهاية يوليو 2026. ويعني ذلك أن ملايين الأشخاص ابتعدوا عن مصادر رزقهم وأراضيهم الزراعية، وأصبحوا أكثر اعتماداً على الأسواق والمساعدات الإنسانية في توفير احتياجاتهم الغذائية.
كما أدى تدمير البنية التحتية والأسواق وتعطل طرق النقل إلى تفاقم صعوبات توزيع الغذاء بين الولايات. ولم تعد المشكلة مقتصرة على تراجع الإنتاج، وإنما امتدت إلى قدرة السكان على الوصول إلى السلع الغذائية الموجودة في الأسواق.
وتحذر وكالات الأمم المتحدة من أن تدمير الأسواق والمرافق الصحية وشبكات المياه والأصول الزراعية ساهم في تعميق الأزمة. ووفق بيان مشترك لمنظمات الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي واليونيسف في مايو 2026، فإن نحو 40% من المنشآت الصحية في السودان خارج الخدمة، فيما يفتقر نحو 17 مليون شخص إلى مياه الشرب الآمنة، و24 مليوناً إلى خدمات الصرف الصحي المناسبة.
وتظهر العلاقة بين الحرب والمجاعة بصورة أكثر وضوحاً في المناطق التي تعرضت للحصار والقتال لفترات طويلة. ففي الفاشر وكادوقلي، ارتبطت ظروف المجاعة بانقطاع الإمدادات التجارية والإنسانية، والقيود المفروضة على حركة السكان والسلع.
وتوضح هذه الحالات أن المجاعة لا ترتبط بالضرورة بنفاد الغذاء على مستوى الدولة، وإنما قد تنشأ عندما يُحرم السكان من الوصول إليه نتيجة الحصار والقتال وانهيار الأسواق.
الأطفال في مواجهة الجوع والمرض
وتنعكس الأزمة بصورة أشد على الأطفال، الذين يواجهون مخاطر متزايدة من سوء التغذية والأمراض المرتبطة بنقص الغذاء والمياه النظيفة.
وتقدر وكالات الأمم المتحدة أن نحو 825 ألف طفل دون الخامسة سيعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال عام 2026، بزيادة 7% مقارنة بعام 2025، و25% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب بين عامي 2021 و2023.
وسجلت المرافق الصحية إدخال نحو 100 ألف طفل إلى برامج علاج سوء التغذية الحاد الوخيم خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي وحدها.
وتزيد موجات النزوح وانتشار الأمراض، بما فيها الكوليرا والملاريا والإسهالات، من خطورة الوضع، إذ تؤدي الإصابة بالأمراض إلى تدهور الحالة التغذوية للأطفال الذين يعانون أصلاً نقص الغذاء.
المساعدات تتراجع والمخاوف تمتد إلى 2027
وتتزامن المخاطر المناخية مع أزمة تمويل حادة تواجه المنظمات الإنسانية العاملة في السودان، ما يهدد قدرتها على تعويض النقص المتوقع في الإنتاج الغذائي.
وفي تقرير نشرته رويترز في 23 أكتوبر، أفاد برنامج الأغذية العالمي بأن موارده المتاحة لعملياته في السودان بلغت 276 مليون دولار حتى 17 أكتوبر، وهو أقل من نصف ميزانية العام السابق. كما يحتاج البرنامج إلى 134 مليون دولار إضافية لمواجهة الاحتياجات الناجمة عن الجفاف.
وأدت محدودية التمويل إلى تقليص الحصص الغذائية المقدمة للمستفيدين. ففي مخيم طويلة للنازحين بشمال دارفور، حيث يوجد مئات الآلاف من الفارين من الحرب، جرى خفض الحصص الغذائية إلى النصف، رغم استمرار وصول نازحين جدد إلى المخيم.
وكان البرنامج قد اضطر أيضاً إلى تركيز مساعداته على الفئات الأكثر احتياجاً، بدلاً من تغطية جميع السكان الذين يواجهون الجوع.
وفي 16 أكتوبر، حذرت المنسقة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيس براون، من أن استمرار نقص التمويل قد يؤدي إلى نفاد مخزونات الغذاء والتغذية الإنسانية بحلول أوائل عام 2027، ما يترك ملايين الأسر دون المساعدات الضرورية.
وبينما تتجه الأنظار إلى نتائج الحصاد خلال الفترة من نوفمبر 2026 إلى يناير 2027، تظل التوقعات مقلقة، خصوصاً في المناطق التي اجتمع فيها النزاع المسلح مع الجفاف والنزوح وتدهور القدرة الشرائية.
ولا يعني ذلك أن النينيو وحدها ستقود السودان إلى المجاعة، فالعوامل التي أنتجت الأزمة الحالية أعمق من تقلبات الطقس. لكن الجفاف يضيف صدمة جديدة إلى بلد استنزفت الحرب قدرته على إنتاج الغذاء وتوزيعه، وأضعفت قدرة ملايين السكان على شرائه، فيما تتراجع المساعدات التي يعتمد عليها الأكثر تضرراً.
في السودان، لم تعد الأنهار والأراضي الخصبة والثروة الحيوانية كافية لإطعام أهله أو حمايتهم من الجوع. فالحرب التي مزقت البلاد ودمرت مدنها ضربت قدرتها على إنتاج الغذاء وإيصاله إلى مستحقيه. ومع الجفاف المرتبط بظاهرة النينيو وتراجع المساعدات الإنسانية، يقترب ملايين السودانيين من مواجهة واقع بالغ القسوة، يضعهم أمام سؤال مرير: كيف يمكن النجاة من المجاعة في بلد لا تنقصه الخيرات، وإنما دمرته الحرب؟

زر الذهاب إلى الأعلى