
من يتأمل تاريخ السودان منذ الاستقلال، يجد أن هناك صفة سياسية تكررت في تجارب عدد من الضباط الذين وصلوا إلى حكم البلاد عبر المؤسسة العسكرية، وهي نقض العهود والمواثيق والانقلاب على الترتيبات السياسية والدستورية.
والأمر هنا لا يتعلق بالطعن في جميع ضباط الجيش السوداني، وإنما بمراجعة سجل القيادات العسكرية التي تولت الحكم، وكيف تعاملت مع الالتزامات السياسية والدستورية.
أولاً: الفريق إبراهيم عبود – البداية من بوابة الانقلاب على الديمقراطية
في نوفمبر 1958، تسلم الفريق إبراهيم عبود السلطة العسكرية في ظل أزمة سياسية، وبترتيبات ارتبطت برئيس الوزراء آنذاك عبد الله خليل.
وهنا كانت المفارقة التاريخية: أن رئيس وزراء في نظام برلماني ساهم في تمهيد الطريق لتسليم السلطة للعسكر، بدل حماية النظام الديمقراطي الذي جاء به إلى الحكم.
ثانياً: جعفر نميري – تقويض اتفاقية أديس أبابا
وقّع نظام جعفر نميري اتفاقية أديس أبابا عام 1972، التي أنهت الحرب الأهلية الأولى ومنحت جنوب السودان حكمًا ذاتيًا.
لكن نميري عاد عام 1983 إلى تقسيم الإقليم الجنوبي وتقويض ترتيبات الحكم الذاتي، بما أسهم في تجدد الحرب الأهلية.
وهنا يظهر أحد أخطر أنماط الحكم العسكري: توقيع اتفاقيات السلام ثم نقض الأسس التي قامت عليها عندما تتعارض مع حسابات السلطة.
ثالثاً: عبد الرحمن سوار الذهب – إشكالية الولاء العسكري والانتقال السياسي
كان سوار الذهب وزيرًا للدفاع في عهد نميري، ثم تولى قيادة المجلس العسكري الانتقالي بعد انتفاضة أبريل 1985.
قد يرى البعض في موقفه خروجًا على الولاء لرئيسه، لكن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف بأنه التزم بتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة عام 1986.
ولهذا فإن تجربته تختلف عن تجارب العسكريين الذين استولوا على السلطة واحتفظوا بها لسنوات طويلة.
رابعاً: عمر البشير – الانقلاب على الديمقراطية ثم نقض العهود
وصل عمر البشير إلى السلطة بانقلاب 30 يونيو 1989، منهياً التجربة الديمقراطية الثالثة.
وخلال ثلاثة عقود من حكمه، شهد السودان انتهاكات واسعة للحريات، وتفكيكًا للمؤسسات الديمقراطية، وحروبًا أهلية، وانتهى عهده بعد أن انفصل جنوب السودان عام 2011.
لقد أصبحت تجربة البشير واحدة من أبرز الأمثلة على خطورة احتكار السلطة العسكرية وتوظيف مؤسسات الدولة لخدمة مشروع سياسي.
خامساً: عبد الفتاح البرهان – الانقلاب على الوثيقة الدستورية
وقّع البرهان على الوثيقة الدستورية عام 2019، التي أسست للشراكة الانتقالية بين المدنيين والعسكريين بعد ثورة ديسمبر.
لكنه قاد إجراءات 25 أكتوبر 2021، التي أطاحت بالترتيبات القائمة للشراكة الانتقالية، واعتُبرت انقلابًا عسكريًا على مسار الانتقال المدني.
ثم دخل السودان في حرب 15 أبريل 2023، التي تحولت إلى واحدة من أعظم الكوارث الإنسانية والسياسية في تاريخ البلاد.
ومن وجهة نظري، فإن البرهان يمثل امتدادًا خطيرًا لأزمة نقض العهود العسكرية، لأن ما حدث في عهده لم يقتصر على تعطيل الانتقال الديمقراطي، بل انتهى بالبلاد إلى حرب تهدد وجود الدولة ووحدتها.
الخلاصة
السؤال الذي يجب أن يطرحه السودانيون ليس: من هو الضابط الأفضل لحكم السودان؟
بل السؤال الأهم: لماذا نواصل البحث عن حاكم داخل مؤسسة عسكرية صُممت لحماية الدولة، لا لإدارة الحياة السياسية؟
إن تكرار الانقلابات ونقض الترتيبات الدستورية يكشف خللًا بنيويًا في العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية.
والدرس التاريخي الذي ينبغي أن نستوعبه هو أن حماية الوطن لا تمنح أي قائد عسكري حق الوصاية على إرادة شعبه.
السودان لا يحتاج إلى انقلاب جديد، ولا إلى جنرال جديد، بل يحتاج إلى دولة مدنية ديمقراطية، وجيش وطني محترف، يحمي الدستور ويلتزم بعهوده ويخضع للمساءلة.
فالأوطان لا تستقر بقوة السلاح وحدها، وإنما بقوة المؤسسات واحترام العهود والمواثيق.
#السودان #الحكم_المدني #ثورة_ديسمبر #لا_للحرب



