حقيقة الحرب السودانية: أكثر من عشرين دولة وكياناً تشكل سيناريو صريحاً لحرب بالوكالة تُراق فيها الدماء السودانية
... أفهَل خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ

يحيى أبنعوف
طالما بحّت أصوات القوى السياسية الوطنية والمدنية، وطالما تصاعدت صيحات التحذير قبل انطلاق أول رصاصة وبعدها، تنبيهاً بضرورة إيقاف هذه المحرقة قبل فوات الأوان. لقد نبهت العقول المخلصة مراراً وتكراراً إلى أن الاستمرار في خيار السلاح لن يقود إلا إلى اتساع رقعة الحرب لتلتهم كل أقاليم البلاد، وإطالة أمد الصراع ليتحول السودان إلى ساحة مفتوحة لصفقات المرتزقة وتصفية الحسابات الدولية. واليوم، يتجلى ما حذرت منه القوى السياسية جلياً: وطنٌ يتمزق، وسيادة تُستباح، ودماء تُراق بإرادات خارجية وتنفيذ محلي… وأمام هذا الصمم المترسخ والعمى السياسي المتواصل عن استبصار فجيعة شعب كامل، ألا يحق للسودانيين أن يتساءلوا في حسرة وألم: أفهَل خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ حتى لا يروا الشظايا التي تمزق أحشاء الوطن؟
حين تصبح الأوطان مسارح لتقاطع الخناجر، وتتحول خريطة السودان إلى رقعة شطرنج تتنازعها إرادات القوى وشهوات النفوذ، تذوب الحدود بين النزاع المحلي والمخطط العابر للحدود. إن ما شهده السودان منذ منتصف أبريل 2023 ليس مجرد شقاق عسكري بين طرفين استبدت بهما طموحات السلطة، بل هو انشطار جيوسياسي استقطب أطماع وأجندات أكثر من عشرين دولة وكياناً، ليتشكل سيناريو صريح لحرب بالوكالة تُراق فيها الدماء السودانية بأيدي أبنائها وبتمويل وتخطيط من وراء البحار والحدود.
غير أن المشهد يتجاوز الاصطفاف الثنائي البسيط؛ إذ تبدي عدة دول وقوى إقليمية ودولية مرونة جيوستراتيجية بالموازنة والوقوف مع كلا الطرفين والمتصارعين في آن واحد، تغذيةً لأطماع ذكية وتأميناً لمصالحها المتشابكة مع امتداد أمد الحرب. وفي المقابل، تسعى العديد من هذه القوى للترويج لشعارات ودوافع معلنة—مثل “الرعاية الإنسانية”، و”حماية الشرعية”، و”دعم الانتقال الديمقراطي”—وهي في حقيقتها دوافع غير صحيحة وستارات زائفة تُخفي خلفها أطماعاً مادية وسياسية محضة. أفهَل خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ حين يُغلفون الأطماع برايات الحق والواجب الزائفة؟
أولاً: تقاطع الخناجر والأطماع المزدوجة – حسابات العواصم والستارات المزيفة
تندفع الدول المتداخلة في المأساة السودانية بدوافع تسعى لاقتطاع الحصص وتأمين النفوذ عبر مساندة أطراف النزاع أو التذبذب بينهما:
الاتحاد الروسي ومجموعة فاغنر (لعبة الموازنة والانتفاع من الطرفين): تُجسد موسكو النموذج الأوضح للوقوف مع الطرفين؛ إذ عملت في البداية عبر ذراعها الأمنية “فاغنر” على تحالف وثيق مع قوات الدعم السريع لتأمين امتيازات تعدين الذهب وتهريبه، ثم اتجهت رسمياً وبشكل موازٍ لتعزيز علاقاتها وتواصلها التسليحي والدبلوماسي مع القيادة التابعة لما يُسمى بالحكومة السودانية وما يُسمى بالجيش السوداني في بورتسودان. ورغم تقديم موسكو لنفسها تحت شعار “دعم الاستقرار وحفظ السيادة الوطنية”، فإن الدافع الحقيقي يكمن في تأمين شريان الذهب لكسر العقوبات الغربية ونيل عقد القاعدة البحرية في بورتسودان.
دولة الإمارات العربية المتحدة (إمبراطورية المال والنفوذ): بينما تُعلن رسمياً دعمها للمبادرات الإقليمية وحماية المدنيين وتحقيق الاستقرار، تُوجه إليها اتهامات دولية وأممية واسعة بتأمين الدعم المالي واللوجستي والتسليحي لقوات الدعم السريع، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خطوط تواصل سياسي واقتصادي في المشهد السوداني العام. تكمن الأطماع الحقيقية في التأمين الحصري لشبكات الذهب، والسيطرة على الأراضي الزراعية الاستراتيجية، وحجز موقع متقدم في إدارة موانئ البحر الأحمر، وحظر صعود أي نفوذ محسوب على الإسلاميين داخل أجهزة السلطة.
إريتريا (درع الشرق وموازنة الجوار): وقف الرئيس أسياس أفورقي إلى جانب القوة القيادية لما يُسمى بالجيش السوداني عبر فتح معسكرات لتدريب كتائب بشرق السودان. وتحت شعارات معلنة حول “أخوة الجوار والسلم الإقليمي”، ترتكز الأطماع الحقيقية على منع نفوذ إثيوبيا من المرور عبر السودان، وضمان ألا ينعكس أي تفكك في الخرطوم على استقرار نظام الحكم في أسمرة.
جمهورية مصر العربية (عمق المصير الممتد): انحازت القاهرة للمؤسسة التابعة لما يُسمى بالجيش السوداني وما يُسمى بالحكومة السودانية في بورتسودان برئاسة البرهان. وتغطى هذه التحركات إعلامياً بشعارات “الحفاظ على المؤسسات الوطنية”، بينما تُحركها أطماع جيوسياسية حاسمة تتصل بالحدود الجنوبية، ومواجهة الضغوط في ملف سد النهضة وضمان انضباط الميزان المائي لحوض النيل.
جمهورية إثيوبيا الفيدرالية (استغلال الصراع والتوازن): أبدت أديس أبابا انحيازاً وتسهيلات لوجستية وسياسية لصالح قوات الدعم السريع، مع اتصالات دبلوماسية متقطعة مع الخرطوم. وتحت غطاء “الحياد ودعم وساطة الإيقاد”، تكمن الأهداف الحقيقية في استغلال إنهاك الطرفين لترسيخ السيطرة على أراضي “الفشقة” الحدودية المتنازع عليها، وتفتيت الموقف المائي الموحد بين القاهرة والخرطوم.
تكتل دول الجوار الأفريقي (تشاد، شرق ليبيا، أفريقيا الوسطى): عملت تشاد وسلطة الشرق الليبي كممرات إمداد وتسهيلات عسكرية ودعم لوجستي للدعم السريع تحت غطاء “التجارة الحدودية والتواصل القبلي”، في حين تنحصر الأطماع الفعلية في تحصيل عوائد تجارة السلاح، ورعاية شبكات المرتزقة، وتأمين التمدد القبلي عبر الحدود.
جنوب السودان، كينيا، وأوغندا (دبلوماسية التكسب الحذر): حافظت جوبا على شعار “الحياد التام” لمراعاة مرور أنبوب النفط عبر مناطق سيطرة ما يُسمى بالحكومة السودانية إلى بورتسودان، بينما غضت النظر عن حركة الإمداد والتجارة اللوجستية لصالح الدعم السريع عبر حدودها. وفي المقابل، طرحت كينيا وأوغندا مبادرات سلام إقليمية، بينما تُستغل هذه الوساطات لحجز أدوار متقدمة في صياغة النفوذ بشرق أفريقيا ورعاية العلاقات مع القوى الخليجية المانحة.
إيران وتركيا: قدمت إيران المسيرات والتجهيزات العسكرية لقيادة ما يُسمى بالجيش السوداني تحت شعار “دعم سيادة الدولة”، بهدف نيل نفوذ وقواعد على ساحل البحر الأحمر قرب باب المندب. كما ساندت تركيا الطرف ذاته تحت دثار “العلاقات التاريخية”، صيانةً لعقودها الاقتصادية واستثماراتها الباهظة.
ثانياً: صراع القوى العظمى والمرتزقة العابرين للحدود
تداخلت القوى العظمى وشركات الأمن الخاصة في أتون حرب بالوكالة، مع رفع شعارات ناعمة تُخفي أطماعاً صريحة:
جمهورية أوكرانيا (المواجهة المباشرة وشركات المرتزقة): أرسلت كييف قوات خاصة تابعة للمخابرات العسكرية (GUR) لمساندة ما يُسمى بالجيش السوداني واستهداف عناصر “فاغنر”، مع ظهور تقارير تزعم وجود مرتزقة وخبراء أوكرانيين مستقلي الرأي يعملون تقنياً لصالح قوات الدعم السريع لقاء أجور مالية. وتحت شعار “دعم الحرية والدول الصديقة”، يكمن الهدف الحقيقي في مطاردة المصالح الروسية وفتح جبهة استنزاف لموسكو في أفريقيا.
الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية (وساطة التهدئة والأطماع الجيواستراتيجية): تقود واشنطن والرياض مفاوضات جدة والهدن الإنسانية برداء “حماية المدنيين ووقف الحرب”. ورغم الجهد الإنساني، ترتكز الأطماع الأمريكية على منع روسيا وإيران من التأسيس على البحر الأحمر، بينما تسعى السعودية لحماية خطط تطوير ساحلها الشرقي واقتصادات البحر الأحمر المرتبطة برؤية 2030 (كمشروع نيوم).
المرتزقة الكولومبيون، إسرائيل، والصين: انخرط مرتزقة من القوات الخاصة الكولومبية ميدانياً مع الدعم السريع لتحقيق مكاسب مالية بحتة. وحافظت إسرائيل على خطوط استخبارية متوازنة مع الطرفين لتأمين “الاتفاقيات الإبراهيمية” وحماية ممراتها البحرية، بينما دعت الصين إلى “الحوار السلمي” لضمان أطماعها في الاستثمارات النفطية ومبادرة “الحزام والطريق”.
ثالثاً: القيادات الميدانية – الدوافع المعلنة مقابل الحقيقة
الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان (قائد ما يُسمى بالجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة): يعلن أن معركته هي “حماية الوطن والمؤسسة العسكرية من الميليشيات”، بينما يكمن الدافع الحقيقي في صيانة شرعية السلطة في بورتسودان، وحظر تفكيك أو دمج مؤسسته، وإنهاء وجود أي كيان عسكري منافس.
الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي” (قائد قوات الدعم السريع): يرفع شعارات “محاربة فلول النظام السابق وتحقيق الديمقراطية”، بينما يدور الدافع الفعلي حول حماية شبكته المالية والتعدينية، وتفادي حل قواته أو دمجها قسراً، وفرض نفسه كطرف رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي خريطة سياسية قادمة.
أمام هذه الدوافع الذاتية المغلفة بحجج واهية، نعود لنطرح التساؤل المُر ذاته: أفهَل خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ حين يرون بلادهم تنحدر نحو الهاوية ويتجاهلون صرخات الضحايا؟
رابعاً: أفق الخروج – التفكيك الحقيقي لمعادلة الحرب
إن الخروج من هذه الفجيعة والاستجابة لصوت الحكمة والتحذيرات الوطنية المتكررة، ونفض غشاوة التعامي عن المصير الوطني، يتطلب تجاوز الشكليات ودوافع الدول المضللة من خلال خريطة خلاص حاسمة:
تعرية ولجم التدخلات الخارجية: فرض حظر دولي صارم من مجلس الأمن ينفذ عقوبات مباشرة على كافة القوى التي تلعب على الحبلين وتزود الطرفين بالسلاح والمال، وقطع خطوط التغذية الخارجية فوراً.
هدنة جادة ورقابة دولية: إقرار وقف فوري وشامل لإطلاق النار بآليات مراقبة أممية وأفريقية مستقلة، لفك الحصار الخانق عن المدنيين في الخرطوم ومدن دارفور والجزيرة، وتدارك الانهيار الإنساني قبل الصدام الكلي.
إنهاء تعدد الجيوش وتوحيد البندقية: وضع جدول زمني ملزم لدمج وتفكيك كافة التشكيلات والميليشيات والقوات الموازية في جيش وطني مهني وموحد يلتزم بدوره الدستوري المحض ويخضع كلياً لسلطة مدنية.
الاستجابة لرؤية القوى السياسية وتسليم السلطة للمدنيين: إبعاد كافة الأطراف العسكرية عن الهندسة السياسية، ونقل إدارة المرحلة الانتقالية لحكومة كفاءات مدنية مستقلة تعبر عن تطلعات الشعب وتشرع في إعادة الإعمار والتحضير لانتخابات حرة.
المحاسبة والعدالة الانتقالية: تفعيل الملاحقات القضائية الدولية والمحلية لجميع المتورطين في الجرائم والانتهاكات، وتأسيس هيئات وطنية لجبر الضرر وضمان عدم الإفلات من العقاب لترسيخ السلم الاجتماعي المستدام.
حقيقة الحرب السودانية: أكثر من عشرين دولة وكياناً تشكل سيناريو صريحاً لحرب بالوكالة تُراق فيها الدماء السودانية… أفهَل خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ؟



