انشرحت أسارير مدينة كادقلي لمشهد العناق الذي جمع والي جنوب كردفان فريق شرطة حقوقي محمد عبد الرحيم كافي، والأمير اللواء كافي طيار البدين، رئيس كيان وحدة شعب النوبة، في لوحة عكست روحاً جديدة من التوافق والتقارب، وبعثت برسائل إيجابية حول مستقبل العمل المشترك في الولاية، وحمل المشهد دلالات عميقة، تؤكد تجاوز التباينات وطي صفحة أي سوء فهم، وفتح نافذة جديدة للانسجام وتوحيد الجهود بين القيادات الأهلية والتنفيذية، وبعث المشهد بتطميناتٍ لكافة المجتمعات المحلية بأن معركة التعافي المقبلة تحتاج إلى تضافر الجميع من كيانات وأجسام وإدارات أهلية، ويمثل كيان النوبة واحداً من المكونات التي يُنتظر أن تضطلع بدور فاعل في هذا المسار، من خلال حشد الطاقات المجتمعية، وتعزيز المصالحات، وتوحيد الصفوف خلف برامج التعافي والبناء، حتى تستعيد الولاية عافيتها وتجاوز آثار الحرب.
والواقع أن ولاية جنوب كردفان، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تضافر جهود جميع مكوناتها السياسية والاجتماعية والأهلية، باعتبارها شريكاً أصيلاً في رتق النسيج الاجتماعي وتجاوز مرارات الحرب وتداعياتها القاسية، فالولاية التي أنهكتها سنوات الصراع لا يمكن أن تستعيد عافيتها بالمعالجات الأمنية وحدها، وإنما تحتاج إلى إرادة جماعية تعيد الثقة بين المجتمعات، وتفتح أبواب الحوار والمصالحات، وتعزز ثقافة قبول الآخر والتعايش السلمي. ومن هنا تبرز أهمية الكيانات المجتمعية في تقريب المسافات بين المكونات المختلفة، وإعلاء القواسم المشتركة، وتقديم مصلحة ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، ومصلحة المواطنين على أي اعتبارات أخرى.
ومن هنا فإن التفاف المكونات والكيانات المختلفة حول برنامج التعافي الذي يقوده والي جنوب كردفان يمثل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة وتحدياتها، فالتعافي لا يعني مجرد استعادة للأمن أو عودة الخدمات، وإنما يمثل عمليةً متكاملة تشمل التعافي الاجتماعي بإصلاح العلاقات المجتمعية، والاقتصادي بتحريك الإنتاج وفتح فرص العمل وتحسين سبل كسب العيش، والسياسي بتوسيع المشاركة وتعزيز التوافق، والأمني ببسط الاستقرار وسيادة القانون، إلى جانب التعافي التنموي بإعادة تأهيل المؤسسات والمرافق والبنية التحتية، وبالتالي فإن هذه المسارات تبقى مترابطة، ولا يمكن أن ينجح أحدها بمعزل عن الآخر، الأمر الذي يجعل مشاركة المجتمع وكياناته المختلفة عنصراً أساسياً في إنجاحها.
ولعل ما يبعث على التفاؤل أن جنوب كردفان لا تنقصها الثروات ولا الطاقات ولا الخبرات ولا الرغبة في تجاوز المحن والأزمات، بقدر ما تحتاج إلى جمع هذه الإمكانات في اتجاه واحد، وحزمة واحدة، لذلك فإن التوافق بين كافي الوالي وكافي الأمير يمكن أن يكون بدايةً لمسار أوسع من التفاهمات والشراكات، تترجم إلى عمل ميداني ومبادرات ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية، فالرهان الحقيقي يكمن في قدرة الأجسام والكيانات الداعمة للحكومة على تحويل دعمها واصطفافها إلى أمن وسلام وخدمات وفرص إنتاج ومصالحات، تعزز من قيمة الاستقرار، وتدعم مسيرة التنمية والإعمار.



