الأعمدة

انظروا من يُحاضر الناس عن الشرف

نزار عثمان السمندل
يتنافس السياسيون في البلدان المستقرة، على تقديم البرامج. أما في البلدان التي أنهكتها الحروب والانقسامات، فيتنافس بعضهم على توزيع صكوك الوطنية والشرف والطهارة. وحين يعجز السياسي عن إقناع الناس بما أنجزه، يبدأ في إقناعهم بأن خصومه أقل شرفاً منه.
هكذا ظهر الجاكومي مرة أخرى.
لم يخرج ليحدث السودانيين عن كيفية إيقاف الحرب. لم يقدم تصوراً لإنقاذ الاقتصاد المنهار. لم يناقش مأساة ملايين النازحين الذين ابتلعتهم المنافي ومعسكرات اللجوء.
لم يقل للسودانيين كيف يمكن إعادة بناء الدولة التي تتساقط مؤسساتها قطعة بعد أخرى. اختار الطريق الأسهل؛ أن يصعد إلى منصة الاتهام الأخلاقي، وأن يمنح هذا لقب الشريف، وينزع عن ذاك حقه في الشرف.
وحين يصل الخطاب السياسي إلى هذه الدرجة من الانحدار، يصبح السؤال الحقيقي ليس عن الأشخاص الذين يتعرضون للهجوم، وإنما عن صاحب الخطاب نفسه.
فالسياسة ليست مسابقة في الطهارة. ولم تكن يوماً محكمة أخلاقية يتولى فيها السياسيون إصدار الأحكام على ضمائر الناس. السياسة في جوهرها امتحان للكفاءة والرؤية والقدرة على إدارة الاختلاف. أما حين تتحول إلى سوق لتبادل تهم الخيانة والدنس والعمالة، فإنها تكشف إفلاساً أكبر من أي هزيمة انتخابية.
الجاكومي لا يهاجم خصومه فحسب. إنه يعيد إنتاج اللغة نفسها التي ساهمت في تخريب الحياة السياسية السودانية لعقود طويلة. اللغة التي قسمت الناس إلى وطنيين وخونة. إلى مؤمنين ومشبوهين. إلى أطهار وأدناس. وهي اللغة التي كانت دائماً مقدمة للكوارث، لأنها تلغي السياسة وتستبدلها بالتحريض، وتلغي الحوار وتستبدله بالإقصاء.
المدهش أن الرجل اختار الدفاع عن الحركة الإسلامية من بوابة الشرف الأخلاقي، وكأن السودان الذي يقف اليوم فوق ركام الحرب هو نتاج تجربة ناجحة لا حصيلة واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارة للجدل في تاريخ البلاد الحديث.
فإذا كان معيار الشرف السياسي يقاس بالنتائج، فإن السودانيين يملكون الحق في السؤال عن الحروب التي اشتعلت، وعن الدولة التي تآكلت، وعن الاقتصاد الذي انهار، وعن الملايين الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بإسقاط النظام.
هذه الأسئلة أكبر بكثير من خطبة غاضبة أو تصريح انفعالي أو منشور في وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن المشكلة الأعمق ليست في موقف الجاكومي من الحركة الإسلامية أو من خصومها. المشكلة في النموذج السياسي الذي يمثله. نموذج يعيش على الضجيج أكثر مما يعيش على الفكرة. يقتات من الخصومات أكثر مما يقتات من المشاريع. يزدهر في أجواء الاستقطاب لأنه لا يملك ما يقدمه خارجها.
لهذا تبدو مفارقة الشرف التي يطرحها الجاكومي مثيرة للتأمل.
فالرجل الذي قضى سنوات في إشعال المعارك السياسية وتوسيع دوائر الخصومة، يتقدم اليوم في هيئة الواعظ الأخلاقي. والرجل الذي لا يعرف له السودانيون مشروعاً فكرياً أو برنامجاً وطنياً متماسكاً، يتحدث بلغة من يملك الحق الحصري في تعريف الوطنية والخيانة. والرجل الذي صنع حضوره من الصخب الإعلامي، يحاول أن يقنع الناس بأن ارتفاع الصوت دليل على ارتفاع المقام.
غير أن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.
التاريخ لا يحتفظ بأرشيف الشتائم. لا يخلد أصحاب العبارات الغاضبة. لا يمنح الخلود لمن كانوا أكثر قسوة على خصومهم. ما يبقى في النهاية هو ما أضافه الإنسان إلى وطنه، لا ما قاله في أعدائه.
وحين تهدأ هذه الحرب يوماً، وحين يبدأ السودانيون في مراجعة سنوات الخراب الطويلة، لن يسأل أحد من كان أكثر مهارة في توزيع الاتهامات. السؤال الذي سيبقى هو: من الذي قدم فكرة؟ من الذي حاول بناء جسر؟ من الذي امتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء؟ ومن الذي ظل يسكب الزيت فوق النار كلما أوشكت على الانطفاء؟
عندها ستسقط كل شهادات الشرف التي يمنحها السياسيون لبعضهم البعض. وسيبقى فقط كشف الحساب.
وهو الكشف الذي يخشاه دائماً أصحاب الضجيج.

زر الذهاب إلى الأعلى