بقلم : أمير شاهين

عند استقبالنا لزميل جديد فى العمل وعند التعارف ذكر لى انه لبنانى من مدينة زحلة , فقلت له ان مدينة زحلة هى تلك المدينة الجميلة التى تقع فى قلب وادى البقاع الشهير وتلقب بجارة الوادى التى انشد فيها امير الشعراء اجمل اشعاره وهى قصيدة ” يا جارة الوادى” التى يتغزل فيعا بجمال وسحر الطبيعة فيها وقرات له مطلع القصيدة :
يا جارة الوادى طربت و عادنى ما يشبه الأحلام من ذكراك
مثلت فى الذكرى هواك و فى الكرى و الذكريات صدت سنين الحاك
وعندها قال لى زميلى اللبنانى و الدهشة و التعجب تكسو وجهه : من اين لك كل تلك المعلومات ؟ فقلت له و ازيدك من الشعر بيتا : وهل تدرى باننا و فى المرحلة المتوسطة وفى عمر الرابعة عشر فقط كنا ندرس هذه القصيدة بل وقمنا بغنائها فى المدرسة ؟ رحم اله تلك الايام عندما كان التعليم فى المدارس يخضع لاشراف نخبة من خبراء التعليم والمناهج فى بخت الرضا وما ادراك ما بخت الرضا , والتدريس كان لا يمارس الا بواسطة كادر بشرى جيد التدريب و التاهيل و بفضل ذلك كان التلميذ فى سن العاشرة فى السودان فى تلك الايام جيد التاهيل واسع المعارف يعرف كل عواصم الدول العربية و الافريقية و يستطيع ان يذكر اهم الانهار و الجبال فى العالم و الانشطة الاقتصادية و التجارية فى كل بلد .
درسنا المرحلة المتوسطة فى مدرسة بحرى الاهلية العريقة المشهورة بمدرسة السكة حديد و التى تقع فى قلب حى الاملاك العريق الذى يعتبر من اجمل احياء مدينة بحرى والمرحلة المتوسطة كانت تسمى الثانوى العام للتفرقة بينها وبين المرحلة الثانوية والتى كانت تسمى الثانوى العالى وذلك قبل ان تحصل الجوطة فى التعليم كما يقولون , وفى ذلك الزمن كانت المدرسة تعج بالحركة و النشاط الرياضى و الثقافى وبقيادة نخبة من افضل المدرسين فى وقتها مثل الناظر مدير المدرسة المرحوم ابراهيم سيد جمعة المشهور بصرامته و جديته المفرطة , والاستاذ ابوزيد خبير تدريس اللغة الانجليزية و الاستاذ فتحى غندور الراعى الاول للنشاط الرياضى بالمدرسة و الاب الروحى لفريق كرة القدم بالمدرسة والذى نال كاس الدورة الرياضية للمدارس و الاستاذ الطاهر وكيل المدرسة و الذى كان يهتم بالجانب الثقافى ويحب الموسيقى و الفنون وكان يجيد عزف الة العود اجادة تماثل اجادة المحترفين بالعزف بها . . القصيدة في ديوان ( الشوقيا ت) بعنوان ( زحلة) ، المدينة ، البنانية حيث يتغزل بها امير الشعراء وكنب فيها ارق الاشعار حتى ظن البعض انها كتبها فى محبوبته .ولكن بعدها اشتهرت القصيدة باسم ” جارة الوادى”.
قصة تلحين وغناء قصيدة جارة الوادى ترتبط باستاذ الطاهر والذى كما ذكرنا كان وكيل المدرسة وكان رجل هادئ الطباع قليل الكلام وكان انيقا يرتدى على الدوام قميص ابيض وبنطال غامق اللون , وكان التلاميذ يحبونه لانه لم يكن مشهورا بالحدة معهم وكما يقولون كان ” زول فى حاله” . وفى احد الايام فوجئنا بدخوله الفصل و هو يحمل العود وعندما راى الدهشة فى وجوهنا اخبرنا بانه قد قام بتلحين قصيدة ” جارة الوادى” والتى كانت مقررة علينا فى اللغة العربية و طلب مننا المشاركة غى الغناء على طريقة عناء الجماعة ” الكورال” واخبرنا ايضا بان هذه القصيدة قام بتلحينها الموسيقار المصرى المشهور محمد عبدالوهاب على المقام العربى السباعى و غنتها فيروز بصوتها الملائكى و الان قد هو قد قام بتلحينها على الموسقى السودانية على السلم الخماسى ولم تكن المهمة يسيرة فاصواتنا كانت قبيحة جدا اذ اننا كنا فى مرحلة المراهقة و السن التى يبلغ فيها الانسان الحلم و ينتقل من مرحلة الطفولة الى مرحلة الرجولة وما يتبع يتبع ذلك فى تغيير بدنى يشمل الصوت والذى ينتقل من الصوت السخلى الذى يتميز بالحدة و الازعاج الى الصوت الحميرى الاجش الغليظ ! واذكر بان استاذ الطاهر قد عانى اشد المعانناة وهو يحاول ان يجعلنا نخرج الكلمات بصورة صحيحية و لم يكن ذلك سهلا فكلمات القصيدة كانت معقدة بعض الشئ بالنسبة الينا كما ان اصواتنا كانت قبيحة خشنة وغير متجانسة ( كل يغنى على ليلاه) ومما زاد الطينة بلة ان معظم لتلاميذ كانوا ” ِشتر” بضم الشين و التاء وهى جمع اشتر وهو الشخص الذى يخبط خبط عشواء وبعد ا العديد من المحاولات والتى استغرقت زمنا و جهدا كبيرا نجح استاذ الطاهر فى ان يختار بعض التلاميذ الذين يتميزون باصوات (لا باس بها) ليقوموا بغناء اللحن كما اراده وافلح فى ان يخلق من الفسيخ شربات كما يقولون . واعتقد جازما بان استاذ الطاهر لو كان دخل عالم الموسيقى و الغناء لكان له شأن اخر فاللحن كان جميلا مع الاخذ فى الاعتبار صعوبة تلحين شعر قصائد العربية الفصحى فما بالك بشعر أمير الشعراء ! ,
قصيدة ياجارة الوادى :
يا جارة الوادي طربت وعادني
ما يشبه الأحلام من ذكراك
مثلت في الذكرى هواك وفي الكرى
والذكريات صدى السنين الحاكي
ولقد مررت على الرياض بربوة
غناء كنت حيالها ألقـاك
ضحكت الي وجوهها وعيونها
ووجدت في أنفاسها رياك
فذهبت في الأيام أذكر رفرفا
بين الجداول والعيون حواك
أذكرت هرولة الصبابة والهوى
لما خطرت يقبلان خطاك؟
لم أدر ما طيب العناق على الهوى
حتى ترفق ساعدي فطواك
وتأودت أعطاف بانك في يدي
واحمر من خفريهما خداك
ودخلت في ليلين : فرعك والدجى
ولثمت كالصبح المنور فاك
ووجدت في كنه الجوانح نشوة
من طيب فيك ومن سلاف لماك
وتعطلت لغة الكلام وخاطبت
عيني في لغة الهوى عيناك
ومحوت كل لبانة من خاطري
ونسيت كل تعاتب وتشاكي
لا أمس من عمر الزمان ولاغد
جمع الزمان فكان يوم لقاك
نسال الله ان يمنح الصحة والعافية لمعلمينا الاحياء و الرحمة و المغفرة للمتوفين .
والى اللقاء



