الأنفال والغنائم… قديماً وحديثاً من واقع حرب السودان 📜قراءة في أحكام المال في الحرب… بين النص الشرعي والواقع المعاصر

✍️ محمدالفاتح حضرة
🧐لعل من المصطلحات التي كثيراً ما تختلط على الناس: الأنفال، والغنائم، والفيء، والسلب، والنهب.
وقد يزداد الخلط خطورة عندما يتعلق الأمر بالحروب؛ إذ قد يتوهم بعض الناس أن مجرد الانتصار على الخصم، أو دخول مدينة، أو السيطرة على منطقة، يجعل أموال أهلها وممتلكاتهم مباحة لمن غلب.
وهنا تبرز أهمية العودة إلى القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، وأقوال أهل العلم والفقه؛ لمعرفة ما المقصود بالغنيمة شرعاً، وما حدودها، ومن يملكها، ومن يحق له التصرف فيها.
فالإسلام لم يترك مسألة الحرب والقتال والمال للفوضى، وإنما وضع لها أحكاماً وضوابط.
🧭 أولاً: سورة كاملة باسم «الأنفال»
قال الله تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[الأنفال: 1]
الأنفال هي جمع نَفَل، والنفل في اللغة يدل على الزيادة والعطاء.
وقد ذكر أهل التفسير معاني متعددة للأنفال في هذه الآية، ومن أشهرها أنها الغنائم التي حصل عليها المسلمون في بدر، مع وجود خلاف بين المفسرين والفقهاء في مدى دلالة لفظ الأنفال وما يدخل فيه.
قال الإمام الطبري في تفسير الآية إن الأنفال هي الغنائم، ونقل أقوال السلف في سبب نزولها وما دار بين أهل بدر بشأن ما أصابوه من الغنائم.
وقال القرطبي إن الأنفال في أصل اللغة هي الزيادة، وأنها سميت بذلك لما فيها من الزيادة على ما كان مقرراً للمقاتلين.
لكن اللافت في الآية ليس مجرد إثبات وجود الغنائم.
بل اللافت أن القرآن قال:
﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
ثم قال:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
أي أن القضية منذ بدايتها ليست قضية مال يتصرف فيه كل مقاتل بحسب هواه.
بل قضية لها حكم شرعي وتنظيم وضوابط.
🧭 ثانياً: ما الغنيمة؟
قال الله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾
[الأنفال: 41]
الغنيمة في اصطلاح الفقهاء هي في الجملة:
ما أُخذ من أموال أهل الحرب بسبب القتال.
وهنا ينبغي الانتباه إلى كلمة:
بسبب القتال.
فليس كل مال يؤخذ في زمن الحرب يسمى غنيمة.
وليس كل شخص يحمل السلاح ويستولي على مال يملكه شرعاً.
فالمال لا يأخذ حكمه من اسم يطلقه عليه صاحبه، وإنما من حقيقته وحكمه الشرعي.
🧭 ثالثاً: الغنيمة ليست «نهباً»
هذه ربما تكون أهم نقطة في الموضوع كله.
الغنيمة مصطلح فقهي.
أما النهب فهو الاستيلاء على أموال الغير بغير حق.
والخلط بين المصطلحين يؤدي إلى نتائج خطيرة.
فلا يصح أن نقول:
«هذه حرب، إذن أموال الطرف الآخر غنائم.»
فمن أين جاءت هذه القاعدة؟
وأين شروط الغنيمة؟
وأين أحكامها؟
وأين سلطة الإمام أو ولي الأمر؟
وأين القسمة؟
وأين حقوق المستحقين؟
وأين حرمة أموال من لا يدخل في حكم المحاربين؟
إن تحويل كل مال يقع تحت اليد أثناء الحرب إلى غنيمة ليس حكماً شرعياً، وإنما هو فتح لباب الفوضى والنهب.
🧭 رابعاً: الغنيمة والفيء… هل هما شيء واحد؟
ليس تماماً.
قال الله تعالى في الفيء:
﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾
[الحشر: 6]
قد اصطلح الفقهاء على التمييز بين الغنيمة والفيء.
فالغنيمة في أشهر استعمالاتها الفقهية:
ما أُخذ من أموال العدو بالقتال.
والفيء:
ما أُخذ من أموالهم من غير قتال.
ولكل منهما أحكامه.
ولهذا جاءت سورة الأنفال بأحكام الغنائم، وجاءت سورة الحشر بأحكام الفيء.
🧭 خامساً: وهل كان للمقاتل أن يأخذ ما يشاء؟
لأ !!
فالقرآن حذر من الغلول، فقال سبحانه:
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
[آل عمران: 161]
والغلول هو الخيانة في الغنيمة، ومن صوره أن يأخذ الإنسان من المال الذي لم يُقسم بعد شيئاً بغير حق.
وجاءت السنة النبوية الصحيحة بالتشديد في ذلك.
فالغنيمة ليست مالاً مباحاً بمجرد وضع اليد عليه.
بل هناك حصر وجمع وقسمة واستحقاق.
وهذا يكشف لنا خطأ التصور الشائع:
«من أخذ شيئاً في الحرب فهو له.»
هذه ليست قاعدة شرعية عامة.
🧭 سادساً: لماذا شدد الإسلام في الغلول؟
لأن المال في الحرب يمكن أن يتحول بسهولة إلى فتنة.
وإذا ظن كل مقاتل أن انتصاره يمنحه حق الاستيلاء على أموال الآخرين، فإن الحرب تتحول من قتال له أحكام وضوابط إلى فوضى من السلب والنهب.
ولهذا جاء الوعيد الشديد:
﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
فالقضية ليست مجرد مخالفة لنظام عسكري.
إنها أمانة أمام الله تعالى.
🧭 سابعاً: هل كل أموال الطرف الآخر تدخل في الغنائم؟
هنا ينبغي أن نتوقف طويلاً.
فليس كل من كان في أرض المعركة محارباً.
وليست كل الأموال متساوية في الحكم.
والفقه الإسلامي عرف تفصيلات كثيرة تتعلق بـ:
المقاتلين، وغير المقاتلين، والنساء، والأطفال، والشيوخ، والرهبان، والأموال، والدواب، والسلاح، والأراضي، وأموال المسلمين الموجودة في دار الحرب، وغير ذلك.
وهذه التفاصيل وحدها تكشف لنا أن عبارة:
«كل ما نأخذه غنيمة»
عبارة لا تستقيم مع الفقه الإسلامي.
🧭 ثامناً: وماذا عن أموال المدنيين؟
هنا نصل إلى نقطة شديدة الأهمية في واقعنا.
مال المدني ليس غنيمة لمجرد أن الحرب وقعت في مكانه.
بيت المواطن ليس غنيمة.
سيارته ليست غنيمة.
متجره ليس غنيمة.
مدخراته ليست غنيمة.
ذهب أسرته ليس غنيمة.
مزرعته ليست غنيمة.
وكون صاحبه هرب من منطقة القتال خوفاً على حياته لا يعني أنه تنازل عن ملكيته.
فالملكية لا تسقط لمجرد أن صاحبها غادر المكان.
ومن هنا فإن دخول جماعة مسلحة إلى مدينة أو قرية، ثم الاستيلاء على بيوت المدنيين وممتلكاتهم، لا يصبح مشروعاً بمجرد إطلاق اسم:
«غنائم الحرب».
فالاسم لا يغير الحكم.
🧭 تاسعاً: ماذا عن الحروب في الدولة الحديثة؟
هنا تتغير صورة الواقع بصورة كبيرة.
فالحرب الحديثة تجري غالباً بين دول أو جماعات منظمة داخل منظومة قانونية معقدة.
هناك:
دولة، وجيش، ورواتب، وميزانية، وقوانين عسكرية، وقوانين وطنية، واتفاقيات دولية، وقواعد لحماية المدنيين والممتلكات.
ولهذا فإن تنزيل الأحكام الفقهية القديمة على الواقع المعاصر يحتاج إلى تحقيق المناط، وليس مجرد نقل النصوص دون النظر إلى تغير الأحوال والوقائع.
وقد ذهب عدد من العلماء والجهات الإفتائية المعاصرة إلى أن مسألة ما يحصل عليه المقاتلون في الحروب الحديثة لا يمكن فصلها عن نظام الدولة والقوانين المنظمة للقوات المسلحة والعهود والمواثيق التي التزمت بها الدولة.
وهنا لا بد من التمييز بين:
الحكم الشرعي الأصلي في بابه الفقهي،
وبين:
كيفية تنزيله على واقع مختلف في نظامه وأدواته وعلاقاته الدولية.
🧭 عاشراً: ماذا يقول القانون الدولي الإنساني؟
القانون الدولي الإنساني المعاصر وضع حماية واسعة للمدنيين وأموالهم.
ومن أهم قواعده أن الأعيان المدنية لا يجوز أن تكون هدفاً للهجوم لمجرد كونها مملوكة للطرف الآخر، وأن الاستيلاء والتدمير والنهب ليست أفعالاً مباحة لمجرد وجود حرب.
وقد نصت اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية على حماية المدنيين والممتلكات المدنية، كما حظرت قواعد القانون الدولي الإنساني النهب في النزاعات المسلحة.
وهذا يلتقي في جانب مهم منه مع مقصد شرعي عظيم:
حفظ الأموال ومنع العدوان عليها بغير حق.
🧭 حادي عشر: وماذا عن الحرب بين المسلمين؟
هذه المسألة أكثر حساسية.
فليس كل اقتتال يقع بين المسلمين يأخذ أحكام قتال المسلمين للكفار المحاربين.
ولذلك أفرد الفقهاء أبواباً مستقلة لأحكام:
البغي، والفتنة، وقتال أهل البغي، وأموال المسلمين أثناء الاقتتال الداخلي.
ومن الخطأ أن يأخذ أحد حكماً من باب غنائم قتال العدو المحارب ثم يسقطه مباشرة على أموال المسلمين في حرب أهلية.
فهنا لا بد أولاً من تحديد:
من هو المقاتل؟
ومن هو المدني؟
ومن هو الباغي؟
وما حكم المال؟
ومن يملك سلطة التصرف فيه؟
وهل القتال نفسه مشروع أو غير مشروع؟
وهذه أسئلة لا يجوز تجاوزها.
🛑🧐🫵 وهنا…
نصل إلى واقعنا المؤلم
إذا انتقلنا من كتب الفقه إلى واقعنا المعاصر، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً:
ماذا يحدث عندما تدخل قوة مسلحة مدينة أو قرية، فتستولي على أموال المدنيين ومنازلهم ومتاجرهم وممتلكاتهم، ثم تسمي ذلك «غنائم»؟
وماذا يحدث عندما يفعل الطرف الآخر الشيء نفسه، ثم يطلق عليه الاسم ذاته؟
وهنا يصبح واجباً علينا أن نقول بوضوح:
الغنيمة الشرعية ليست اسماً شرعياً يُمنح به النهب حصانة دينية.
وفي الحرب الأهلية السودانية التي اندلعت في 15 أبريل 2023م، رأينا صوراً مؤلمة من نهب الممتلكات الخاصة والعامة، والاستيلاء على البيوت والمتاجر والأموال، مع اتهامات متبادلة بين أطراف القتال.
والخطر الأكبر ليس في وقوع الجريمة وحدها..
بل في أن تُلبس الجريمة لباساً دينياً.
فحين يُقال للناس:
«هذه غنائم»
قد يتوهم بعضهم أن الشرع أحل لهم ما أخذوه.
وهنا تصبح المسألة أخطر من مجرد سرقة.
لأنها تتحول إلى سرقة تُرتكب بإسم الدين.
والدين منها براء إذا كان المال مأخوذاً بغير حق.
📜 الخلاصة
من خلال القرآن والسنة وما قرره أهل العلم، نستطيع أن نضع قاعدة أولية مهمة:
ليست كل أموال الحرب غنائم، وليس كل ما يُستولى عليه أثناء الحرب حلالاً، وليس كل مقاتل مالكاً لما تقع عليه يده، وأموال المدنيين لا تتحول إلى غنائم لمجرد أن الحرب وصلت إلى ديارهم.
والغنيمة في الفقه الإسلامي حكم له مناط وشروط وأحكام وسلطة وقسمة، وليست مرادفاً لكلمة «نهب».
بل إن أول آية في سورة الأنفال نفسها تجعلنا ننتبه إلى المعنى قبل المال:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
وكأن القرآن يضع أمام الإنسان، حتى في لحظة النزاع والقتال، حاجزاً من التقوى والعدل يمنعه من أن يتحول إلى وحش ينهب كل ما تصل إليه يده.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يكون موضوع الجزء الثاني:
🛑 الغنيمة لمن؟ ومن يملكها؟‼️
السَّلَب والغلول، وأموال المقاتلين، وأموال المدنيين… ماذا قال الفقهاء؟
وماذا تقول الشريعة في حروب العصر؟
وفيه يمكن أن ندخل إلى أقوال أئمة المذاهب الأربعة ونصوص السنة الصحيحة، ثم نضعها في مواجهة السؤال الأصعب:
هل يجوز لأي فصيل مسلح في حرب أهلية معاصرة أن يعتبر ممتلكات المدنيين «غنائم»؟



