الأعمدة

السيادة ليست في السلطة… بل في تكريس هيبة الدولة.

( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي
حينما تصبح الأوطان عشبًا تحت أقدام أفيال شراكات المصلحة الخاصة، فإن اتفقت أكلت ذلك العشب أخضره ويابسه، وإن اختلفت تعاركت فوقه حتى تسحقه بالتراب. عندها تفقد الدولة هيبتها، لأن المتسلطين على إدارتها ينشغلون بصراعاتهم على المصالح الخاصة، بينما لا تزال البلاد تحترق بنيران الحروب. وكأنهم يتنازعون على لحم الدب قبل صيده، أو يتقاسمون شواء فطيسٍ حرام، كلٌّ يريد أن يستأثر بالنصيب الأكبر.
ولن يتغول الآخرون على شؤون أي وطن إلا إذا وجدوا ثغرة يوسعها لهم أبناؤه، فينفذون منها مستغلين غفلة المتصارعين. عندئذ ينظر الطامعون إلى أهل البلد باعتبارهم قُصَّرًا في إدارة وطنهم، عاجزين عن استثمار موارده وتقاسم خيراته بعدالة يمليها التاريخ المشترك والجغرافيا الواحدة، لا بمنطق أن صاحب القوة هو الذي يفرض إرادته، فينال من الحقوق أكثر مما يستحق، ويتنصل مما عليه من واجبات.
إن هيبة الدولة لا تبدأ من قمة السلطة، وإنما من أسفل السلالم الاجتماعية؛ من المواطن البسيط الذي يحترم المال العام، ولو كان مجرد زير سبيل على قارعة الطريق. وتبدأ أيضًا عندما يكتفي الشرطي بما تخصصه له الدولة من راتب كريم، فلا يضطر إلى فرض الإتاوات خارج الإيصالات الرسمية، وعندما يؤدي الموظف العام واجبه دون أن يبتز المراجع بعبارة: “أين حقنا؟” وهو المكلَّف أصلًا بخدمته وفق القانون.
وهكذا يتدرج الفساد حتى يصبح سلوكًا ممنهجًا، يصعد درجة بعد أخرى في سلالم السلطة، فيغدو أمرًا مألوفًا، بل يجد أصحابه التصفيق إعجابًا بـ”شطارتهم” وسرعة ثرائهم الحرام، بينما تغيب العدالة عن المشهد، تبحث عن الدليل كما تُبحث الإبرة في هشيم الفساد.
فكيف تستقيم هيبة الدولة، والقلم نفسه يصبح أداةً في يد حراميها، بدلًا من أن يكون أمانةً في يد حاميها؟

زر الذهاب إلى الأعلى