الأعمدة

تعقيب على بيان ما يسمى بـ (((غاضبون بلا حدود)))

حنان حسن
مرة أخرى خرجوا علينا ببيان سياسي مرتبك يحاول تحميل الأحزاب المدنية والديمقراطية مسؤولية الخراب التاريخي في السودان وكأن هذا البلد عاش تحت حكم الأحزاب طوال تاريخه وكأن الانقلابات العسكرية والدكتاتوريات وحكم الطوارئ والقمع لم تكن هي السمة الأساسية للدولة السودانية منذ الاستقلال.
الحقيقة التي لا يستطيع أحد تزويرها أن السودان لم يُحكم ديمقراطيا إلا لفترات قصيرة ومتقطعة..بينما قضى أغلب عمره تحت سلطة الانقلابات والعسكر والاستبداد. ولذلك فإن الأزمة الحقيقية لم تكن يوما في وجود الأحزاب أو العمل السياسي المدني إنما الأزمة كانت وما زالت في الانقلاب المستمر على السياسة والدستور والديمقراطية.
الهجوم المنظم على الأحزاب المدنية اليوم ليس موقفا وطنيا كما يحاول البعض تصويره، هو جزء من مشروع قديم هدفه تجريف الحياة السياسية بالكامل وتحويل السودان إلى ثكنة عسكرية مغلقة لا صوت فيها إلا صوت البندقية. ولهذا ظلت هذه المجموعات تهاجم الحوار المدني والديمقراطية والقوى السياسية وتتعامل مع أي حديث عن التحول الديمقراطي باعتباره تهديدا مباشرا لمشروعها القائم على الحرب والاستقطاب وتقديس السلطة العسكرية.
والأكثر تناقضا أن من يهاجمون السياسيين المدنيين اليوم هم أنفسهم من مارسوا العنف ضد الندوات والأنشطة السياسية، وشاركوا في خطاب التخوين والتحريض والإقصاء ثم خرجوا لاحقا ليقدموا أنفسهم كحرّاس للوطن بينما انخرطوا عمليا في معركة تصفية المجال المدني بالكامل لصالح مشروع الحرب.
كان الأجدر بهؤلاء الشباب أن ينشغلوا بالسؤال الأهم: كيف نبني وطنا ديمقراطيا مستقرا يضمن لهم مستقبلا آمنا وكرامة وحياة تستحق أن تُعاش بدل أن يتم دفعهم ليكونوا وقودا لحروب السلطة والصراع على النفوذ.
فالحروب تنتهي دائما لكن الندم على المواقف التي ساهمت في هدم الوطن وإطالة مأساته يبقى طويلا وثقيلا على أصحابه.
ثورة ديسمبر لم تكن ثورة ضد السياسة..لم يخرج الشعب السوداني ضد السياسة ..خرجوا ضد الاستبداد.
لم تكن ضد الأحزاب.. ضد مصادرة الديمقراطية.
ولم تكن من أجل استبدال ديكتاتورية بأخرى.. خرجوا بالملايين من أجل بناء دولة مدنية ديمقراطية يكون فيها الجيش جيشا للوطن لا حاكما فوق ركام الوطن.
إن أكبر كذبة يتم ترويجها اليوم هي أن العسكر هم ضمان الاستقرار، بينما كل التجارب أثبتت أن تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة هو أصل الانهيار الوطني والانقسامات والحروب وتمزيق الدولة.
ولهذا فإن معركة السودانيين الحقيقية ليست ضد العمل المدني والسياسي انما ضد استمرار عسكرة الدولة واختطاف إرادة الشعب.
ولا مستقبل للسودان إلا باستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي كاملا غير منقوص وبناء دولة المؤسسات والقانون والمواطنة وإنهاء هيمنة السلاح على السياسة إلى الأبد.
العسكر مكانهم الثكنات لا قصور الحكم.
والشعوب لا تُحكم بالبندقية.
والدولة لا تُبنى بالانقلابات.
والديمقراطية ليست منحة من الجنرالات
الديمقراطية حق ينتزعه الشعب مهما طال الزمن.
#لا_لحكم_العسكر
#التحول_المدني_الديمقراطي

زر الذهاب إلى الأعلى