الأعمدة

السودان: من حرب على السلطة إلى تفكيك بنية الدولة المركزية -تفكيك دولة ٥٦- ـــــــ

قراءة في تآكل سلطة بورتسودان وصعود تحالف "تأسيس"

أسامة كنينة
عند الحديث عن الحرب في السودان، غالباً ما ينحصر النقاش في سرديات الانقسام: من “شرعي” ضد “متمرد”، أو “وطني” ضد “مليشيا”. لكن قراءة أكثر موضوعية للواقع تكشف أن ما يجري يتجاوز صراعاً على السلطة إلى إعادة تشكيل جذرية لمفهوم الدولة ذاتها. فبعد عامين من الحرب، لم تعد المسألة مجرد من يحكم الخرطوم، بل أصبحت تتعلق بمن يسيطر على الحدود، ومن يمتلك القدرة على تمويل استمراره، ومن ينجح في بناء تحالفات إقليمية ودولية تدعم بقاءه.
الحدود: مقياس السيادة الذي انقلب
يمثل تأمين الحدود أحد أهم واجبات الجيوش الوطنية، وهو المعيار الأكثر دقة لقدرة الدولة على ممارسة سيادتها. الجيش السوداني، منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، فقد السيطرة تدريجياً على كامل حدوده مع العمق الأفريقي: ليبيا غرباً، تشاد وأفريقيا الوسطى، جنوب السودان، وأخيراً مع إثيوبيا عبر ولاية النيل الأزرق.
اليوم، لم يتبقَ لسلطة بورتسودان من حدود مستقرة سوى الشمال مع مصر والشرق مع إريتريا. هذا الانكماش الجغرافي ليس مجرد خسارة عسكرية، بل هو تحول في طبيعة السلطة نفسها: من سلطة وطنية تمثل كامل التراب السوداني إلى سلطة أمر واقع فرضته الحرب ،تحاول البقاء في منطقة نفوذ تضيق يوماً بعد يوم.
التداخل القبلي: تعقيد يتجاوز الجغرافيا
ما يجعل المسألة أكثر تعقيداً هو التداخل القبلي العابر للحدود. قبائل تمتد من دارفور إلى تشاد وأفريقيا الوسطى، ومن النيل الأزرق إلى إثيوبيا وجنوب السودان. الحرب لم تقسم السودان فقط، بل قسمت هذه المجتمعات العابرة للحدود، مما خلق واقعاً جديداً: حيث أصبحت الولاءات القبلية أحياناً أكثر تأثيراً من الانتماء الوطني، وأصبحت الحدود نفسها مناطق رمادية يصعب فيها الفصل بين الداخل والخارج.
التآكل المتعدد الجبهات: كيف تفقد السلطة أسباب بقائها
سلطة بورتسودان لم تفقد الحدود فقط. لقد تآكلت أركان قوتها بشكل منهجي على ثلاثة مستويات متشابكة:
السياسي والدبلوماسي: استعداء الجيران، وفقدان التعاطف الأفريقي عبر الاتحاد الأفريقي والإيقاد، وتراجع التحالفات العربية الآسيوية. هذا العزل الدبلوماسي جعل السلطة تفقد القدرة على التأثير في أي تسوية سياسية مرتقبة.
الاقتصادي: فقدان السيطرة على مناجم الذهب في دارفور والنيل الأزرق، وحقول البترول في كردفان، والمشاريع الزراعية الكبرى التي تنتج الصمغ العربي والسمسم والفول السوداني والثروة الحيوانبة. هذه لم تكن مجرد موارد، بل كانت شرايين تمويل الدولة. اليوم، تحاول سلطة بورتسودان إدارة اقتصاد بلد كامل بما تبقى من ميناء بورتسودان ومناجم الذهب بشمال السودان ومساعدات خارجية محدودة.
العقوبات والحصار: عقوبات دولية متزايدة، حجز أموال، إفساد صفقات السلاح. كل هذه الآليات تعمل كخنق بطيء، حيث تفقد السلطة القدرة على التمويل وإعادة التسليح، بينما يتحرك الطرف الآخر في فضاء أكثر مرونة عبر الحدود المفتوحة والشبكات غير الرسمية.
الموت السريري: حالة الإنكار كاستراتيجية
عندما تفقد مؤسساتك الاقتصادية المحلية، وتفقد أهم الموارد التي تغذي خزينتك، وتجد نفسك مخنوقاً داخلياً وخارجياً، فأنت في حالة “موت سريري”. هذا هو التشخيص الدقيق لوضع سلطة بورتسودان اليوم.
الموت السريري في السياسة هو أن يفقد الكيان القدرة على أداء وظائفه الأساسية (توفير الأمن للمواطنين، إدارة الاقتصاد، تمثيل الدولة خارجياً)، لكنه يظل متماسكاً شكلياً بفضل الإرادة السياسية أو الدعم الخارجي المحدود. خصائص هذه المرحلة واضحة: فقدان القدرة على المبادرة، الاعتماد على تحالفات إقليمية ضيقة، انفصال بين الخطاب والواقع، وانهيار وشيك للمؤسسات من الداخل.
أما الإنكار فهو ليس جنوناً، بل آلية دفاع سياسي. الإنكار هو الغراء اللاصق الذي يبقي النخبة الحاكمة متماسكة، وهو رهان على متغيرات خارجية قد تغير المعادلة، وهو تجنب لحظة الاعتراف التي قد تكون كارثية على المستوى الشخصي والسياسي.
صعود البديل: تحالف “تأسيس” كسلطة أمر واقع موحدة
في مقابل هذا التآكل، تشكل تحالف عسكري-سياسي موحد يُعرف بـ”حكومة تأسيس”، يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (عبدالعزيز الحلو)، إضافة إلى العديد من الأجسام السياسية والشخصيات الوطنية البارزة .
هذا التحالف يتمتع بخصائص تجعله بديلاً صاعداً:
· سيطرة على الحدود: يتحكم في الحزام الحدودي الممتد من ليبيا غرباً إلى إثيوبيا شرقاً، أي حدود السودان مع خمس من سبع دول، مقابل دولتي جوار لاعمق لها سوي منفذين بحريين وهما مصر وارتيريا.
· الموارد: يسيطر على مناجم الذهب، حقول البترول، والمناطق الزراعية الرئيسية.
· المرونة الاقتصادية: يعتمد على اقتصاد حرب غير رسمي يصعب تعطيله بالعقوبات التقليدية.
· التحالفات الإقليمية: يتمتع بعلاقات متعددة مع دول الجوار الأفريقي “خاصة حركات التحرى” التي وجدت في هذا التحالف مصالح مشتركة.
كل مساحة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية تفقدها سلطة بورتسودان، تملأها حكومة تأسيس. هذه معادلة تراكمية تعيد ترتيب ميزان القوى بشكل تدريجي ولكن حاسم.
ختاما الرهان الخاسر:
الإصرار على القتال حتى آخر جندي
ما يثير الدهشة هو التمسك باستراتيجية الحسم العسكري رغم كل هذه المؤشرات. الإصرار على القتال حتى آخر جندي، ورفض أي تعاون مع المجتمع الدولي لوقف القتال أو بناء جسور ثقة لعملية تسوية سياسية شاملة، يبدو أشبه بـ”انتحار استراتيجي”. علما أن هذا النهج المتشدد يقابله انفتاح نحو جميع مبادرات التسوية السياسية من حكومة تأسيس
هذا السلوك يمكن تفسيره بمنطق “فخ التصعيد”: الخوف من التسوية أكبر من الخوف من الهزيمة، ورهان على انهيار الطرف الآخر أولاً، وهروب إلى الأمام عبر خلق أزمة أكبر قد تجبر الأطراف الإقليمية والدولية على التدخل لإنقاذ الموقف. لكن هذه المقامرة تحمل مخاطر كبيرة جداً، خاصة مع ثبات تحالف “تأسيس” وتوسعه.
هذا هو الواقع كما هو ، ويجب التعامل معه بمسئولية

زر الذهاب إلى الأعلى