الأعمدة

فضيحة : أماني الطويل تكشف المستور: الحكومة السودانية طلبت من القاهرة التضييق على مواطنيها الفارين من الحرب!

العودة طوعية"... وسيارات الأمن المصري تطارد الناس في الشوارع!

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في مشهد يتجاوز كل حدود السخرية والمرارة، فرّ الملايين من السودانيين من جحيم الحرب الدائرة في بلادهم منذ أبريل 2023، هاربين من قذائف الدعم السريع ومدافع الجيش ونيران المليشيات، باحثين عن ملاذ آمن في مصر. كانوا يظنون أنهم سيجدون الأمان الذي افتقدوه في وطنهم الجريح، لكن ما لم يتوقعوه أبداً هو أن تطاردهم حكومتهم ذاتها حتى في منافيهم، وأن تتحول شوارع القاهرة والإسكندرية وأسوان وغيرها إلى ساحات مطاردة جديدة، وأن يصبحوا فريسة لحملات أمنية مكثفة تعاملهم كمخالفين للقانون لا كلاجئين فارين من الموت.
المفاجأة الصاعقة جاءت على لسان الدكتورة أماني الطويل، الباحثة المصرية المتخصصة في الشؤون الأفريقية والسودانية بمؤسسة الأهرام، حين كشفت في منشور على صفحتها بفيسبوك ما كان الجميع يتهامس به سراً: أن هذا التضييق الذي يعاني منه السودانيون في مصر لم يكن قراراً مصرياً منفرداً، بل جاء تنفيذاً لطلب رسمي من الحكومة السودانية نفسها. هذا التصريح الذي انتشر كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي لم يكن مجرد خبر عابر، بل كان فضيحة كاملة الدسم تكشف حقيقة مروعة: أن حكومة السودان لا تكتفي بالعجز عن حماية مواطنيها من الحرب، بل تلاحقهم في ملاجئهم وتطلب من دول الجوار التضييق عليهم وترحيلهم قسراً إلى أتون الحرب.
لكن الحكومة السودانية، التي أتقنت فنون التضليل الإعلامي والكذب على مدار عقود، لم تكن لتترك هذه الفضيحة تمر دون محاولة يائسة لنفيها. سارع السفير عماد عدوي، سفير السودان بالقاهرة، إلى إصدار نفي قاطع، معتبراً ما تداولته الصحفية المصرية “أوهاماً وتجنياً وتجاوزاً للخطوط الحمراء” هذا الأسلوب الهجومي في النفي يكشف عن مدى ارتباك الحكومة السودانية وخوفها من انكشاف حقيقة تواطئها في قضية مطاردة مواطنيها.
بل إن السفير عدوي ذهب إلى أبعد من ذلك في محاولته اليائسة لتجميل الواقع المرير، حين أعلن بكل ثقة أن “عدد السودانيين المسجونين في مصر لا يتجاوز أربعمائة سجين فقط”، مشيراً إلى أن هذا الرقم، مقارنة بعدد الجالية السودانية التي تقدر بحوالي ستة ملايين شخص، “يعكس الانضباط الكبير والالتزام القانوني لأبناء الجالية السودانية في مصر” هذا التصريح المثير للسخرية يمثل قمة الكذب و التضليل الإعلامي، فهو يتجاهل بشكل متعمد الحقيقة التي وثقتها منظمات حقوقية دولية محترمة.
السفير الذي يتحدث عن “أربعمائة سجين فقط” يتجاهل أن منظمة العفو الدولية وثقت ترحيل ما بين عشرة آلاف إلى اثنين وعشرين ألف سوداني قسرياً خلال عام 2024 وحده. يتجاهل أن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وثقت اعتقال أكثر من ألف ومئة وثمانية وعشرين لاجئاً سودانياً في الربع الأول من 2025 وحده. يتجاهل أن خبراء الأمم المتحدة أصدروا مذكرة رسمية تدين “التصاعد الواسع في أنماط الاعتقال التعسفي والترحيل القسري” للسودانيين في مصر. فأي انضباط كبير والتزام قانوني يتحدث عنه السفير بينما الآلاف من مواطنيه يُطاردون في الشوارع ويُرحّلون قسراً؟
الأمر لم يعد مجرد أرقام وإحصائيات يمكن للسفير أن يتجاهلها، بل تحول إلى مشاهد حية موثقة بالصوت والصورة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت فيديوهات مروعة تُظهر سيارات الأمن المصري وهي تطارد عشرات السودانيين في الشوارع والمقاهي والأسواق، في مشاهد تنتهك أبسط قواعد الكرامة الإنسانية. فهل هذا هو الانضباط والالتزام القانوني الذي يتحدث عنه السفير؟ أم أن السفير يعيش في عالم موازٍ لا علاقة له بواقع مواطنيه المرير؟
ثم يواصل السفير عدوي خطابه المنفصل عن الواقع بالحديث عن “تعاون وثيق بين السلطات السودانية والمصرية لضمان حقوق الجالية”، مشيراً إلى أنه “تم، بتوجيه من وزير العمل المصري، منح تصاريح عمل للسودانيين في مصر، مع خفض قيمة الرسوم المفروضة على إصدار التصديقات الخاصة بالعمل” هذا الحديث عن ضمان الحقوق وتصاريح العمل يبدو كأنه نكتة سوداء مريرة في ظل الواقع المروع الذي يعيشه السودانيون على الأرض. فأي حقوق تلك التي يتحدث عنها السفير بينما مواطنوه يُقبض عليهم في الشوارع دون تمييز بين حامل تصريح عمل ومن لا يحمله، ودون تمييز بين حامل وثائق رسمية من المفوضية السامية للأمم المتحدة ومن لا يحملها؟
بل إن السفير يختتم تصريحاته بما يمكن وصفه بالاستخفاف بالعقول حين يؤكد أن “هذه الإجراءات تأتي في إطار حماية مصالح السودانيين في الخارج وضمان حقوقهم القانونية والاجتماعية” أي حماية لمصالح السودانيين يتحدث عنها هذا السفير بينما حكومته تطلب من القاهرة التضييق عليهم وترحيلهم قسراً؟ أي ضمان لحقوقهم القانونية والاجتماعية بينما يُساقون إلى السجون كالحيوانات ثم يُرحّلون إلى بلد مشتعل بالحرب تعترف أماني الطويل بأن الأمن الإنساني فيه غير متوفر حتى في حدوده الدنيا؟
هذا الكذب و التضليل الإعلامي المكشوف من السفير عدوي لا يختلف كثيراً عن تصريحات الفريق أول عبد الفتاح البرهان نفسه الذي خرج ليؤكد بلهجة واثقة أنه “ليس هناك أحد يجبر السودانيين قسراً بالعودة إلى البلاد”، وأن “العودة طوعية لكل من أراد أن يعود للبلاد من أجل المساهمة في نظافتها وإعادة تأهيل ما خربته ودمرته الحرب” أي طوعية هذه التي يتحدث عنها البرهان بينما الوقائع الموثقة تروي قصة مختلفة تماماً؟
فعندما تُشن حملات أمنية واسعة تستهدف السودانيين في كل مكان دون استثناء، وعندما يُحتجز الشباب والقاصرون الذين لم يتجاوزوا الرابعة عشرة من العمر في أقسام الشرطة لأيام وأسابيع في ظروف صعبة، وعندما تُصادر وثائقهم الرسمية وبطاقات اللجوء وتُهدد أسرهم بالترحيل، فأي طوعية تلك التي يتحدث عنها البرهان وحكومته؟ الحقيقة المرة هي أن هذا البرنامج المسمى بـ”العودة الطوعية المجانية” تحول إلى غطاء شرعي لسياسة ترحيل منظمة تهدف إلى إفراغ مصر من السودانيين ودفعهم قسراً إلى جبهات القتال، ليكونوا وقوداً بشرياً لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وسط هذا الواقع المعاش يومياً، وبينما السفير عدوي يتحدث في عالمه الخيالي عن “الانضباط الكبير” و”حماية المصالح” و”ضمان الحقوق”، يطرح السودانيون سؤالاً محورياً يحمل في طياته كل الألم والمرارة: أين سفارة السودان بالقاهرة من كل هذا؟ الصمت المطبق الذي التزمته الحكومة السودانية طيلة هذه الفترة إزاء الانتهاكات الموثقة لحقوق مواطنيها لم يكن مجرد تقصير أو إهمال، بل كان صمتاً متواطئاً يخفي وراءه نوايا أخرى. فبينما يُقبض على السودانيين في الشوارع كل يوم ويُزج بهم في أقسام الشرطة والسجون، لم نسمع تصريحاً واحداً من السفارة يدافع عن حقوقهم بشكل حقيقي وفعال.
بل على العكس تماماً، نسمع ثناءً متكرراً ومبالغاً فيه من السفير عدوي على العلاقات الثنائية وحسن الاستقبال والتعاون الوثيق، في تناقض صارخ مع الواقع المرير. هذا الخطاب الدبلوماسي المنفصل عن الواقع يكشف عن حقيقة مؤلمة: أن السفارة السودانية في القاهرة تحولت من مؤسسة تحمي مواطنيها إلى أداة للعلاقات العامة. السفير الذي يفترض أن يكون صوت شعبه ومدافعه الأول صار مجرد متحدث رسمي يلقي بالإحصائيات المشكوك فيها بينما يُساق مواطنوه إلى السجون والترحيل القسري.
تصريحات الدكتورة أماني الطويل لم تتوقف عند حد كشف طلب الحكومة السودانية من القاهرة التضييق على مواطنيها، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حين أضافت أن “هناك أطرافاً وأقلاماً تلعب في هذه المساحة بشكل سلبي ولجاناً إلكترونية من أطراف ثالثة تسعى لتضخيم الدور الأمني المصري بهدف تشويه صورة مصر الإيجابية التي تكونت بعد الحرب لدى السودانيين” هذا التصريح يمثل محاولة واضحة لتبرير الممارسات من خلال إلقاء اللوم على “لجان إلكترونية” غامضة و”أطراف ثالثة” مجهولة، في استراتيجية قديمة تعتمد على نظرية المؤامرة لصرف الأنظار عن الحقيقة التي وثقتها منظمات دولية محترمة ليس لها أي مصلحة في تشويه صورة مصر أو السودان.
الأخطر في تصريحات الطويل هو إشارتها إلى أن “الأمن الإنساني في حدوده الدنيا غير متوفر في السودان خصوصاً في العاصمة وذلك طبقاً لشهادات من جهات موثوقة” هذا الاعتراف الصريح بانعدام الأمن في السودان يطرح سؤالاً محورياً لا يملك السفير عدوي ولا البرهان إجابة مقنعة عليه: إذا كان الأمن الإنساني غير متوفر حتى في حدوده الدنيا، فلماذا تطلب الحكومة السودانية من مصر التضييق على مواطنيها لدفعهم للعودة؟ لماذا تصر على ترحيلهم قسراً إلى بلد تعترف هي نفسها بأنه غير آمن؟
الإجابة تكشف عن النوايا الحقيقية لهذه الحكومة. الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها أو تجميلها، مهما حاول السفير عدوي إلقاء الأرقام المشكوك فيها ومهما أنكر البرهان الواقع، هي أن الحكومة الحالية في الخرطوم تريد دفع السودانيين المتاحين إلى محاور القتال ليكونوا وقوداً بشرياً لحربها. الهدف من هذه السياسة مزدوج: إما تحقيق النصر على الدعم السريع، الذي هو في الأصل مليشيا كانت جزءاً من المنظومة الأمنية السابقة قبل أن تنقلب، والانفراد بالسلطة مرة أخرى. وإما معاقبة من خرجوا على النظام في ثورة ديسمبر المجيدة.
هذه السياسة تمثل سابقة تاريخية غير مسبوقة، فلأول مرة نشهد حكومة تطلب رسمياً من دولة أخرى التضييق على مواطنيها ورعاياها والقبض عليهم في الشوارع وترحيلهم قسراً لحثهم على العودة لخوض حرب، وذلك رغم وجود جيش نظامي ومليشيات عديدة تقاتل إلى جانبه. ثم تخرج علينا هذه الحكومة بسفيرها الذي يتحدث عن “أربعمائة سجين فقط” متجاهلاً عشرات الآلاف الذين رُحّلوا، وبرئيسها الذي يتحدث عن “العودة الطوعية” بينما سيارات الأمن تطارد الناس في الشوارع!
والأدهى من كل ذلك هو الصمت الدولي المخزي إزاء هذه القضية المستمرة. المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التي من المفترض أن تكون الدرع الحامي للاجئين، لم تنجح في حماية السودانيين المسجلين لديها. بل إن تقارير موثقة تشير إلى أن المفوضية لم تعترض بشكل فعال على عمليات الترحيل الجماعي، واكتفت بردود فعل باهتة.
الخلاصة المرة التي يجب أن يدركها كل سوداني هي أن تصريحات أماني الطويل فضحت ما كان الجميع يحاول إخفاءه، بينما تصريحات السفير عدوي المتناقضة كشفت عن مدى الاستهتار بعقول الناس الذي تمارسه هذه الحكومة. حكومة تطارد شعبها في المنافي وتطلب من الجيران التضييق عليهم وترحيلهم، وتدفعهم قسراً إلى جبهات قتال، ثم تقف لتعلن عبر سفيرها أن كل ما يحدث مجرد “أوهام”، وأن هناك فقط “أربعمائة سجين” في بلد يضم ستة ملايين سوداني، متجاهلة عشرات الآلاف الذين اعتُقلوا ورُحّلوا، هي حكومة فقدت مصداقيتها تماماً.
على الشعب السوداني أن يدرك هذه الحقيقة بوضوح تام: الحل الوحيد الحقيقي هو التغيير السلمي لهذه المنظومة التي حوّلت السودان الجميل إلى ساحة حرب، وشعبه الكريم إلى لاجئين مطاردين في كل مكان. وإلى أن يتحقق ذلك اليوم المنشود، على العالم كله أن يشهد ويسجل في صفحات التاريخ: أن حكومة الخرطوم تلاحق شعبها في المنافي، وتحوّل مصر إلى أداة للتضييق، وتدفع بأبنائها إلى جبهات القتال، ثم تخرج لتعلن عبر سفيرها أن كل ما يحدث مجرد “أوهام”، وأن “العودة طوعية” بينما سيارات الأمن تطارد الناس في الشوارع، في سابقة تاريخية محزنة سيسجلها التاريخ ولن ينساها الشعب السوداني.

زر الذهاب إلى الأعلى