انسحاب جنوب أفريقيا من الكونغو الديمقراطية.. هل تعيد بريتوريا رسم عقيدتها الدبلوماسية وسط صراع M23؟

في تطور لافت يعكس تحولات في السياسة الخارجية، أعلنت جنوب أفريقيا سحب قواتها من بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جمهورية الكونغو الديمقراطية، في خطوة تأتي بالتزامن مع تصاعد النزاع الذي تقوده حركة 23 مارس (M23) وتزايد الاهتمام الدولي بإيجاد تسوية للأزمة.
وأبلغ الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بقرار الانسحاب، مبرراً الخطوة بالحاجة إلى إعادة تنظيم موارد القوات المسلحة، دون توضيح ما إذا كانت هناك خطط لإعادة نشر القوات في مهام أخرى.
ويبلغ عدد الجنود الجنوب أفريقيين المنتشرين ضمن بعثة حفظ السلام نحو 700 جندي، فيما اعتبر خبراء أن القرار يتجاوز كونه إجراءً عسكرياً تقنياً، ليعكس توجهاً سياسياً ودبلوماسياً جديداً في مقاربة بريتوريا لملفات الإقليم.
تحوّل في عقيدة بريتوريا الخارجية
يأتي القرار في وقت تسعى فيه جنوب أفريقيا إلى تكريس حضورها كقوة إقليمية ودولية، خاصة بعد استضافتها قمة مجموعة العشرين مؤخراً، وفي ظل توترات دبلوماسية مع الولايات المتحدة على خلفيات متعددة.
ويرى محللون أن الانسحاب قد يكون جزءاً من إعادة تموضع استراتيجي يهدف إلى تقليص الانخراط العسكري الخارجي المكلف، مقابل تعزيز الحضور السياسي والدبلوماسي في ملفات القارة، لا سيما في منطقة البحيرات العظمى التي تشهد تنافساً محتدماً.
وأشار المحلل المتخصص في الشؤون الأفريقية إيريك إيزيبا إلى أن القرار يأتي في ظل ضغوط داخلية وانتقادات متزايدة للإنفاق العسكري خارج الحدود، إضافة إلى سعي رامافوزا لتعزيز قدرة بلاده على خوض تنافس محتمل على النفوذ مع قوى إقليمية مثل رواندا.
تداعيات دبلوماسية محتملة
في المقابل، حذّر مراقبون من أن هذا التحول قد يعرّض جنوب أفريقيا لتبعات دبلوماسية وربما عسكرية، في ظل إقليم مشتعل بسبب الحرب في الكونغو الديمقراطية، التي باتت تمثل محوراً رئيسياً للصراعات الجيوسياسية في أفريقيا.
كما يلفت محللون إلى أن خيارات بريتوريا الخارجية لطالما أثارت جدلاً، خاصة بعد مشاركتها في مناورات عسكرية ضمت روسيا والصين وإيران، ما فتح الباب أمام انتقادات غربية بشأن تموضعها الاستراتيجي.
ورغم ذلك، يستبعد بعض الخبراء حدوث تغيير جذري في عقيدة جنوب أفريقيا الدبلوماسية، معتبرين أن الانسحاب من الكونغو قد يكون خطوة تكتيكية لإعادة ترتيب الأولويات، لا انقلاباً كاملاً في التحالفات.
في المحصلة، تبدو جمهورية الكونغو الديمقراطية اليوم نقطة اختبار حقيقية لتوجهات بريتوريا الخارجية، في ظل تنافس دولي متصاعد وسعي متزايد من القوى الكبرى لترسيخ نفوذها في قلب القارة السمراء



