(
اثر التجنيس المصطنع في شرق السودان وغربه وفي العاصمة الخرطوم في ظل الحرب الدائرة… هل زاد الطين بلة /أم بلّه السودان وشعبه…؟؟
✍🏻 المستشار/مهيد شبارقة
((جواز للبيع جنسية للبيع… وطن يختزل في ورقة))
فمنذ سنوات عديدة ظل ملف التجنيس العشوائي والمصطنع في السودان يتأرجح بين الصمت الرسمي والاتهامات المتبادلة لكن في ظل الحرب العبثية الدائرة منذ أبريل 2023 بات الأمر أكثر خطورة وتعقيدا
فما كان يمارس خفاء بدعوى التوطين أو المجاملة السياسية أصبح اليوم سلاحا فعالا في يد مراكز القوة للعبث بالتركيبة السكانية وتغيير ميزان النفوذ القبلي والسياسي خاصة في منطقتي شرق السودان وغربه الأكثر هشاشة واشتباكا إثنيا…!!!
#فهل أتى هذا التجنيس بشريات استقرار كما زعم..؟
#أم أنه زاد الطين بلة..؟ بل بله السودان ذاته بمستنقع الانقسام والاختراق والتفتيت..؟
#اولا: خلفية التجنيس: حتما هو سياسات مرسومة ممنهجة لا أخطاء إدارية فتعود جذور التجنيس المصطنع في السودان إلى فترات متعددة لكن أبرز محطاته كانت:
١/نظام المخلوع الذي منح الجنسية لعشرات الآلاف من الأجانب سواء من دول الشام أو دول مجاورة اولبعض أفراد بدول أفريقية ساحلية فبعضهم لأسباب دينية أو سياسية وآخرون لاستخدامهم كقوى موازية ضد المعارضة في بلدانهم.
٢/مرحلة ما بعد انفصال الجنوب والتي شهدت حالة ارتباك إداري تخللتها عمليات تجنيس واسعة في /شرق البلاد وغربه بدعوى الاحتياج التنموي أو التوازنات المحلية.
٣/الحرب العبثية الأخيرة التي فاقمت المشكلة حيث تم توظيف التجنيس ضمن استراتيجيات السيطرة والتمكين وتحويل الولاءات لأوراق ضغط.
فلم يكن الأمر يتعلق أبدا ((بـدمج اجتماعي حقيقي بل بـتجنيس وظيفي سياسي تصنعه السلطة الأمنية أو التنظيمات المسلحة أو حتى شبكات الاتجار بالبشر))
#ثانيا: شرق السودان: تجنيس استراتيجي لتعديل الديمغرافيا:
ففي شرق السودان تحديدا وبشكل خاص في ولايات كسلا والقضارف والبحر الأحمر تشير تقارير وشهادات إلى عمليات تجنيس ممنهجة طالت:
أجانب من أصول إريترية وإثيوبية وخاصة من قوميتي ((التيغراي والأمهرا).
نعم لاجئين تم /دمجهم ضمن مجتمعات محلية بغرض تغيير التوازنات القبلية والسياسية
وعناصر ذات صلة بتنظيمات متشددة أو أجهزة استخبارات إقليمية..!!
وقد يسأل سائل ما الغرض من ذلك؟
والاجابة هي/إعادة رسم الخريطة الديمغرافية والسياسية للشرق بما يخدم أطرافا داخلية وخارجية.
فلم تكن الصدفة وحدها من فرض هذه المعادلة بل هي استراتيجية نفوذ طويلة الأجل تستغل فيها هشاشة الدولة.
ثالثا: غرب السودان: الجنسية كسلاح حرب وهوية ملوثة:
ففي دارفور وكردفان بلغ التجنيس مستويات أكثر حدة خصوصا مع تضخم المليشيات العابرة للحدود وتدويل الصراع:
١/عشرات الآلاف من مقاتلي قبائل /تشادية ومن /النيجر و/إفريقيا الوسطى و/مالي دخلوا السودان وتم تجنيس بعضهم على نحو غير قانوني خصوصا في ظل تمدد قوات الدعم السريع بموافقة الدولة في المخلوع وعهد برهان حيث تم استخدام الجنسيات السودانية لشرعنة وجودهم ضمن ميليشيات مثل الدعم السريع أو قوات تتبع للحركات المسلحة.
فالقبائل السودانية الأصلية فقدت السيطرة على أراضيها بسبب دخول غرباء يحملون جنسية سودانية زورا ويطالبون (بحقوق أصلية) هذه العملية التي كانت موجهة بداية لتحقيق توازن عسكري تحولت لاحقا إلى تهديد وجودي حقيقي لسكان غرب السودان.
#رابعا: الأثر السياسي والاجتماعي هوية وطن تتآكل:
ان تجنيس الأجانب بلا ضوابط ولا أسس قانونية أفرز نتائج كارثية منها:
١/فقدان الثقة في وثيقة الجنسية السودانية.
٢/انتشار مظاهر الانقسام الاجتماعي والصراعات القبلية الناتجة عن تداخل الهويات وانعدام العدالة في الحقوق.
٣/تمكين جهات عسكرية ومليشياوية من فرض واقع جغرافي ديمغرافي مفصل على مقاس مصالحها.
٤/تكل مفهوم المواطنة كأساس للحكم والانتماء لصالح انتماءات عرقية أو ولاءات للتمويل الخارجي..!!
ولعل الأدهى من ذلك أن الدولة نفسها غائبة لا تراقب ولا تصحح ولا تملك سجلا مدنيا موثقا يفرق بين المواطن الاصلي والمتجنس أو المتسلل..!!
#خامسا: هل ذلك زاد الطين بلة..؟ أم بله السودان كله..؟
فالمثل الشعبي يقول: ((زاد الطين بلة)) لكن في حالة السودان الماثلة الان فإن التجنيس غير المشروع لم يكتف بزيادة البلل بل أغرق البنية الوطنية وخلق واقعا مركبا من:
(أزمة سيادة)
و(هشاشة الهوية).
(وتكريس مبدأ /من يملك السلاح يمنح الجنسية)
وهذا الأمر لا ينذر فقط بتفتيت البلاد على أسس جهوية بل بخلق صراعات مستقبلية لا تحسم حتى بالسلاح لأن أساسها أصبح وجوديا.
#سادسا: شهادات ميدانية لمواطنين وإداريين وشيوخ قبائل من شرق وغرب السودان.
المحور الاول من شرق السودان بين التهميش والقلق من ضياع الهوية
١/شهادة إداري سابق في السجل المدني بكسلا:
(أُجبرنا مرارا في الفترة بين 2013 و2018 على تمرير معاملات تجنيس لأشخاص من دول الجوار دون أوراق ثبوتية كاملة كان يأتي ضباط من… يأمروننا بإنجاز الملفات بعضهم تم قيده مباشرة ضمن السجل كمواطن سوداني من قبائل محلية..!!)
١/شيخ من احدى قبائل كسلا الاصلية:
(تسرب الينا أجانب من إثيوبيا وإريتريا صار أمرا مألوفا وكثير منهم حصل على الجنسية بأسماء وهمية اليوم تجد شخصا لا يتحدث العربية ولا اللهجات السودانية لكنه يحمل رقما وطنيا ويطالب بحقوق الأرض أو الحواشة أو المرافق..!!! هذه كارثة على النسيج الاجتماعي في الشرق))
٣/ناشطة من بورتسودان:
((التجنيس لم يستخدم لحل أزمة اللاجئين بل لصناعة مشكلة ديمغرافية وأمنية جديدة فهناك توازنات جديدة تفرض بالقوة وتستخدم فيها الهوية السودانية كأداة نفوذ إقليمي))
المحور الثاني: شهادات من غرب السودان – حين تصبح الجنسية غنيمة حرب:
١/شيخ ع .م زعيم قبلي من محلية كبكابية شمال دارفور يفول:
((لدينا وثائق أن بعض عناصر الميليشيات القادمة من تشاد ومالي حصلوا على جنسيات سودانية خلال حكم البشير وتم توطينهم في مناطق أهلنا بالقوة واليوم يطالبون بنصيب في الزراعة والإدارة ويقولون إنهم سودانيون بالوثيقة…!!!)
٢/إ.آ موظف سابق في سجل الجنينة المدني:
((الضغوط التي مورست علينا في عهد النظام السابق كانت مباشرة: أُمرت بمنح الجنسية لمجموعة من مقاتلي حركات دارفورية موقعة على اتفاقات دون أوراق رسمية واليوم هؤلاء يشكلون خلايا أمنية ويملكون نفوذا في بعض المحليات))
٣/آ .ه – من مواطني نيالا:
((نحن لا نكره الأجانب لكن ليس من العدالة أن يأتي شخص عاش في تشاد أو النيجر ويحصل على الجنسية خلال سنة ويأخذ منزلا ومرتبًا بينما شباب دارفور الاصليون لا يجدون فرص عمل ولا حتى أوراق ثبوتية..!!))
المحور الثالث:
أمثلة موثقة لحالات تجنيس سياسية – من المخلوع إلى ما بعد الحرب
١/في عام 2015 منحت الحكومة أكثر من 20 ألف جنسية سودانية لأفراد من دول الجوار الغربي ضمن مشروع /دمج وتوطين المجاهدين بحسب تسريب لوزارة الداخلية وقتها.
٢/في 2017 تم منح الجنسية لمئات الأفراد من أصول تركية وشامية بقرار رئاسي مباشر دون إجراءات أمنية كافية.
٣/في 2023 بعد اندلاع الحرب وثقت منظمات حقوقية أن عناصر من ميليشيات الدعم السريع تم تجنيسهم صوتيا عبر نفوذ قادتهم ما منحهم قدرة على التحكم في الموارد المحلية والمشاركة في المجالس الأهلية كمواطنين سودانيين…!!
#سابعا: البعد القومي والأمني للتجنيس العشوائي:
١/خطر على الأمن القومي:
فخلق كيانات سكانية تحمل الجنسية السودانية دون ولاء وطني فعلي يؤدي الى تسلل عناصر إجرامية أو إرهابية عبر الثغرات الرسمية.
٢/صعوبة ضبط الحدود بسبب تضارب الهوية والانتماء.
٣/تهديد للتماسك الاجتماعي:
فتفكيك منظومة القبائل الأصلية وتحويلها إلى أقلية في أرضها يؤدي لتصاعد الصراعات القبلية بسبب مطالبات وافدين مجنسين بأراضٍ وموارد.
٤/ضياع الهوية الوطنية:
فاختلاط غير محكوم بين التوطين الإنساني والتجنيس السياسي.
يؤدي لضعف ثقة المواطن في قيمة جنسيته وازدياد التهريب والمتاجرة بها.
#سابعا خاتمة:
ما جرى ويجري من تجنيس مصطنع في السودان ليس مجرد خلل إداري بل هو مشروع متكامل له جذور سياسية وأذرع أمنية ونتائج اجتماعية مدمرة ففي ظل غياب الدولة وتضارب المراكز تحوّلت الجنسية لأداة حرب وهو ما يتطلب وقفة قانونية جادة وتحقيقا وطنيا واسعا وتبني معايير صارمة مستمدة من تجارب دول الجوار
(فحين تباع الهوية تشترى الخرائط) فالتجنيس المصطنع ليس مجرد خلل إداري بل هو أداة سياسية قذرة تم استخدامها منذ سنوات وبلغت ذروتها في ظل الحرب العبثية لتقويض فكرة الوطن ذاته وما يحدث في شرق السودان وغربه اليوم هو تحوير سكاني سياسي بقوة السلاح والرشوة والتحالفات العابرة للحدود وإذا لم يتم وقف هذا النزيف فلن تكون هناك دولة اسمها السودان خلال عقدين من الآن بل ((أشباه دول تتقاتل على شرعية مزيفة وجنسيات ملغومة))



