
يحيى أبنعوف
لا يوجد مواطن سوداني شريف يرفض المؤسسة العسكرية الوطنية أو يكره جيش بلاده. نحن مع القوات المسلحة السودانية قلباً وقالباً، ونريد أن يكون الجيش السوداني من أقوى وأعظم جيوش العالم، حامياً للحدود وحارساً لسيادة الوطن ودستوره. مطلبنا الأساسي ليس إضعاف الجيش، بل وجود جيش حقيقي، مهني، وقومي يستعيد هيبته وعقيدته القتالية، بعيداً عن المليشيات المسلحة والكتائب الحزبية التي عاثت فساداً ومزقت أرجاء الوطن.
الجذور التاريخية والسياسية لاختراق الجيش
يعود تاريخ الجندية في السودان إلى عصور ممالك كوش ومروي العظيمة، متطوراً عبر فترات الحكم التركي والمهدية، وصولاً إلى “قوة دفاع السودان” ثم تأسيس القوات المسلحة عام 1956. لكن هذا التاريخ العريق تعرض لتشوه بنيوي عميق؛ وكما يوضح الباحث العميد عصام الدين ميرغني في كتابه “الجيش السوداني والسياسة”، فإن الأزمة تعود إلى عقود من التسييس وتغلغل الجبهة القومية الإسلامية في مفاصل المؤسسة عبر استراتيجية “الانتشار، الاختراق، الاحتلال، والاستيلاء”، والتي تُوجت بانقلاب 1989.
عبر سياسات “التمكين” وإفراغ الجيش من كوادره الوطنية، تحولت المؤسسة العسكرية إلى ذراع أمني لحزب سياسي، وتخلت عن عقيدتها القومية لصالح حماية النظام، مما أدى إلى صراعات ممتدة في أقاليم سودانية عديدة وصولاً إلى مجزرة فض الاعتصام.
سياسة “التمليش” وانهيار العقيدة القتالية
تخلت القيادة العسكرية عن التجنيد والمشاة، وأسست لاستراتيجية كارثية تعتمد على تفريخ المليشيات. أصبح الجيش أشبه بـ “قبيلة من الضباط” الذين تفرغوا لإدارة أكثر من 200 شركة تجارية واستثمارية (زادنا، جياد، والصناعات الدفاعية)، مستفيدين من الإعفاءات والامتيازات، وتركوا مهام القتال لحركات ومليشيات موازية وعلى رأسها قوات الدعم السريع التي مُكّنت اقتصادياً وسياسياً حتى أصبحت دولة داخل الدولة.
واليوم، يحصد السودان نتاج هذه السياسة بانفجار حرب 15 أبريل، وتفريخ عشرات المليشيات المسلحة (من كتائب عقائدية، وحركات مسلحة، ومجموعات قبلية ومناطقية)، مما أعاد البلاد عقوداً إلى الوراء نحو الاحتراب القبلي.
ركائز بناء الدولة وإصلاح المؤسسة العسكرية
يتطلب التعافي الوطني روشتة حتمية تقوم على خمس ركائز الأساسية:
احتكار الدولة لأدوات القوة: دمج كافة القوات والمليشيات والحركات المسلحة في جيش وطني مهني واحد، مع خروج المؤسسة العسكرية تماماً من العمل السياسي والأنشطة الاقتصادية.
دولة القانون والمؤسسات: تفكيك دولة التمكين والمحسوبية، وبناء دستور دائم يضمن استقلال القضاء والخدمة المدنية بناءً على الكفاءة.
مشروع وطني جامع: تأسيس الهوية السودانية على “المواطنة المتساوية” في الحقوق والواجبات، دون تمييز عرق، أو دين، أو منطقة.
العدالة الانتقالية والمحاسبة: تقديم كل من ارتكب جرائم حرب أو نهب أموال الشعب للمحاكمة، وتأسيس لجان للحقيقة والمصالحة.
نهضة اقتصادية وتطوير التعليم: توجيه موارد الدولة نحو التعليم، الصحة، والبنية التحتية، وترسيخ مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في المناهج التعليمية لتنشئة جيل مستنير.
إن الدولة المدنية الحديثة هي التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون، وتخضع فيها كافة القوى العسكرية والسياسية لإرادة الشعب وصندوق الاقتراع.



